المرنة في أوقات عدم اليقين: استراتيجيات النجاح في مواجهة التحديات الكبرى

بقلم نيكولاس مانسيت

راسل رينولدز أسوشيتس

أصبحت المرونة واحدةً من تلك المصطلحات الحاضرة دوماً في معظم النقاشات المرتبطة بالقيادة عبر أنحاء المنطقة؛ سواء في اجتماعات مجالس الإدارة، أو التوصيف المهني للمسؤولين التنفيذيين، أو برامج تطوير القيادات. وبالرغم من الإجماع الواسع على أهميتها، إلا أن التجليات الواقعية للمرونة في بيئة العمل الحالية تبدو أقل وضوحاً بكثير.

تظهر هذه الضبابية تحديداً في الحوارات؛ فقد وصف لي أحد الرؤساء التنفيذيين في المنطقة، الذين يديرون عملياتٍ ضخمة في جميع أنحاء دول مجلس التعاون الخليجي، الأشهر الاثني عشر الماضية بأنها كانت “عاماً حافلاً بالتحديات المتتالية”. وقد بات هذا الوصف اليوم هو الرأي السائد فعلاً لدى شريحة متزايدة من كبار المسؤولين التنفيذيين في المنطقة.

ولا تزال المملكة العربية السعودية واحدةً من أكثر مراكز الأعمال تأثيراً على مستوى العالم بفضل ما تمتلكه من مزايا هيكلية جذابة – مثل أسواق رأس المال، والبنية التحتية القوية، والوضوح التنظيمي، والطموحات بعيدة المدى – وهي مزايا لا تكاد تمتلكها سوى قلة قليلة من الأسواق العالمية. إلا أن الضغوط المفروضة على قادة المؤسسات هنا تتزايد باستمرار، كما أصبحت المهام القيادية أكثر تعقيداً وتشابكاً.

من الصبر والتحمل إلى متطلبات أكثر عمقاً

إنّ التفسير الأكثر شيوعاً للمرونة يتلخص في الصبر والقدرة على التحمّل؛ أي القدرة على استيعاب الضغوط ومواصلة الأداء بغض النظر عن الظروف المحيطة. ينطوي هذا المنظور على جانب من الصحة، بل وربما كان كافياً خلال الفترات الأكثر استقراراً.

لكنه لم يعد كافياً اليوم.

فقد كشف تقرير Global Leadership Monitor الصادر عن “راسل رينولدز أسوشيتس” للنصف الثاني من عام 2025، أن 32% فقط من قادة الأعمال يشعرون بالثقة في قدرتهم على التعامل مع حالة عدم اليقين الجيوسياسية؛ وهو ما يمثل تراجعاً بواقع سبع نقاط مئوية خلال ستة أشهر فقط. ويُعد هذا التراجع لافتاً بحد ذاته، غير أن دلالته تزداد عمقاً عند مقارنته بحجم التوقعات التي يُطلب من هؤلاء القادة تلبيتها في الوقت نفسه: اتخاذ قرارات أسرع، وإدارة نطاق أوسع من أصحاب المصلحة، وتحقيق نتائج تجارية أكثر دقة وكفاءة، بينما تستمر الظروف المحيطة بهم في التغيّر.

في بيئة عمل وظروفٍ كهذه، تصبح القدرة على التحمل مورداً محدوداً؛ فالقادة الذين يعولون على هذه الخاصية وحدها غالباً ما يستنزفون طاقاتهم وطاقات فرق عملهم قبل أن تصِل الدورة الإدارية التي يقودونها إلى غايتها.

أما ما يميز قادة الأعمال القادرين على مواصلة أدائهم الفعّال على المدى الطويل فهو امتلاكهم القدرة على التكيّف؛ ونعني بذلك القدرة على إعادة التوجيه دون فقدان الهدف، وإعادة الموازنة وضبط المسار بدلاً من الإفراط في بذل الجهد ومقاومة ظروف لم تعد مستقرة بطبيعتها.

السّمات القيادية الغائبة عن معايير التقييم التقليدية

لا تزال المؤسسات تميل إلى تفضيل الجوانب الأكثر وضوحاً وجاذبيةً في القيادة عند تقييم الكفاءات القيادية العليا، ومنها: الحضور المؤثر، والإقناع، والقدرة على الإلهام، وتحفيز التقدم. تمتلك هذه السّمات قيمةً كبيرة، ولا سيما في الأسواق التي يُعد فيها المظهر النشط والمفعم بالطاقة جزءاً من آليات التعبير عن الثقة والدعم. وفي سائر دول الخليج، حيث تقترن الأجندات التحولية الطموحة بجداول زمنية مكثفة، تتجه الأنظار تلقائياً نحو القادة القادرين على الاستجابة السريعة واستقطاب الاهتمام.

ومع ذلك، فإن الأبحاث والدراسات التي نُجريها تظهر باستمرار أن هذه السّمات ليست هي الأكثر ارتباطاً بالمرونة بمفهومها الحقيقي.

يبحث برنامج “نطاق القيادة”، الذي طورته “راسل رينولدز أسوشيتس” بالتعاون مع “هوجان أسيسمنتس”، في السمات التي تميز القادة القادرين على مواصلة أدائهم الفعّال خلال فترات عدم اليقين. ويُحدد هذا البرنامج جانباً أكثر صخباً ووضوحاً في الشخصية القيادية — يشمل الجرأة على التغيير الجذري، والإقدام على المخاطرة، وحشد الهمم؛ وجانباً آخر أكثر هدوءاً وعمقاً، يشمل القدرة على بناء الروابط، وإظهار الجوانب الإنسانية، والقبول بالخضوع للتقييم متى تطلب الموقف ذلك. كلا الجانبين ينطويان على أهمية بالغة؛ ولكن عندما نربط هذه السمات بالصورة الذهنية التي يكونها الزملاء أو العاملين مع هؤلاء القادة فيما يخص جانبي النزاهة والمرونة، نجد أن الارتباطات الأقوى تصب في مصلحة الجانب الأكثر هدوءاً.

وعليهِ، فإنّ القادة الحائزون على أعلى التقييمات في مرونة الأداء هم أولئك الذين يصغون باهتمام، ويحافظون على تقبلهم للأفكار عندما لا تكتمل لديهم الصورة، ويتصرفون برَوِيّة بدلاً من الانسياق وراء ردود الأفعال اللحظية. وهم كذلك الأقل عرضة لاستنزاف طاقاتهم أو طاقات فرق عملهم، والأكثر قدرة على تهيئة الظروف التي تتيح للآخرين تقديم أقصى مساهماتهم. ولا يعني ذلك افتقارهم إلى الحماس أو الإصرار، وإنّما توظيف هذه السمات بانتقائية وتوجيه مدروس، لا كنهج تلقائي دائم. ومع أنّ هذه السمات يسهل إغفالها حقاً في بيئة العمل سريعة الوتيرة والزخم، إلا أنها من السّمات الأساسية التي تصنع الفارق وتتعاظم الحاجة إليها عندما تشتد الظروف.

التجليات المرتبطة بمجالس الإدارة

ارتسمت ملامح منطقة الخليج على يد قادة يمتلكون قدرة استثنائية على خوض غمار عدم اليقين دون أن يفقدوا بوصلة التوجه الصحيح؛ ولا تزال هذه القدرة القيادية قائمة إلى حد بعيد، بل إنها تمثل إحدى نقاط القوة الكامنة في المنطقة. ومع ذلك، فإن الظروف التي تُمارس فيها هذه القدرة أصبحت أكثر تطلباً، وبات نموذج المرونة الذي تستلزمه هذه الظروف يتطور بالتوازي معها.

بالنسبة لمجالس الإدارة والقيادات التنفيذية التي تقوم بتعيينها، ينطوي هذا الأمر على مضامين عملية؛ فالسمات التي تُشير إلى المرونة الحقيقية ليست هي الأكثر وضوحاً، ونادراً ما تتكشف في عمليات التقييم التقليدية التي تعلي شأن القدرة على التعبير والثقة بالنفس؛ بل إنّ هذه السمات تتجلى في الكيفية التي أدار بها القائد دفة العمل فعلياً تحت وطأة الضغوط، وكيفية تعامله مع مواقف خارجة عن سيطرته، وأسلوب عمله مع المحيطين به خلال الفترات العصيبة. صحيحٌ أن هذه الأسئلة تبدو أكثر صعوبة في الإجابة عنها، لكنها الأسئلة الصحيحة بطبيعة الحال.

وفي بيئة عمل يتم فيها تقدير زخم النشاط، لا تعود المرونة تعني مجرد القدرة على تحمل الضغوط والصمود أمامها، بقدر ما هي حفاظٌ على وضوح الرؤية واستدامتها. والقادة القادرون على تحقيق ذلك – أولئك الذين يعرفون متى يتعين عليهم التكيف أو تعديل خطط أعمالهم، ومتى ينبغي لهم التراجع خطوة إلى الوراء، وكيف يواصلون القيادة عندما لا تكون المعالم واضحة تماماً — هم الأجدر والأكثر قدرة على العبور بمؤسساتهم نحو المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top