راضي غربي العنزي – كاتب رأي سعودي
إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا، فتح له بابًا إلى كتابه، فاستراح قلبه، وانشرح صدره، وأدرك أن الرحمة الإلهية كانت أقرب إليه من كل ما كان يبحث عنه.
في كل يومٍ جديد، يمنحنا الله سبحانه وتعالى هبةً عظيمة لا تتكرر، هبةً يتساوى فيها الجميع؛ الغني والفقير، القوي والضعيف، المشهور والمغمور. إنها ألفٌ وأربعمائة وأربعون دقيقة كاملة، تتساقط من أعمارنا بهدوءٍ لا نسمعه، وتمضي دون أن تستأذن أحدًا.
العجيب أننا نحسب الأموال بدقة، ونراجع أرصدتنا أكثر من مرة، لكننا نُهدر أرصدة أعمارنا بسخاءٍ يثير الدهشة.
نمنح ساعاتٍ طويلةً لتصفح الهواتف، ونؤجل النوم من أجل مقطعٍ عابر، ونستهلك أعصابنا في نقاشاتٍ لا تغيّر شيئًا، ثم إذا جاءت عشرون دقيقة مع كتاب الله، شعرنا أن الوقت يضيق، وأن الأعمال تتكاثر، وأن الظروف لا تسمح.
أيُّ مفارقةٍ هذه؟
كيف نجد الوقت لكل شيء، إلا للشيء الذي خُلق القلب ليحيا به؟
يقول الأستاذ الدكتور عمر المقبل: “في اليوم ١٤٤٠ دقيقة، فلو قررت أن تجعل منها ٢٠ دقيقة فقط لجزء واحد من القرآن، لا تتنازل عنه مهما كانت الظروف، تفعله تعظيمًا لكلام ربك، ويقينًا بضرورتك له، فستجد فرقًا غير عادي في حياتك.”
إنها ليست دعوةً لتنظيم الوقت فحسب، بل دعوةٌ لإعادة ترتيب الأولويات، وإعادة اكتشاف المعنى الحقيقي للحياة.
فالقرآن الكريم ليس كتابًا نعود إليه عند الفراغ، بل هو الذي يخلق في أرواحنا مساحةً تتسع للحياة كلها.
يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٩].
ويقول جل جلاله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢].
ويقول سبحانه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤].
إن الله وحده هو الغني عن العالمين، ونحن الفقراء إلى هدايته ورحمته وتوفيقه، ولا غنى للقلوب عن كلامه مهما امتلك أصحابها من أسباب الراحة أو مظاهر النجاح.
قال رسول الله ﷺ: «اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه» رواه مسلم.
وقال ﷺ: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» رواه البخاري.
ولأن التحولات العظيمة تبدأ بخطواتٍ صغيرة، فإن عشرين دقيقة يوميًا قد تبدو رقمًا متواضعًا، لكنها في حقيقتها ثورة هادئة على الفوضى التي تبتلع أعمارنا.
عشرون دقيقة تعني جزءًا كاملًا من القرآن كل يوم، وختمةً كل شهر، لكنها تعني قبل ذلك قلبًا أكثر طمأنينة، ونفسًا أقل قلقًا، وبصيرةً أوسع في مواجهة تقلبات الحياة.
يروي المؤرخون أن الصحابي الجليل والخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه كان شديد الصلة بكتاب الله، وكان يقول: «لو طهرت قلوبنا ما شبعت من كلام ربنا».
تأمل هذه العبارة جيدًا.
إنها لا تتحدث عن اللسان الذي يقرأ، بل عن القلب الذي يتغذى.
وفي زماننا المعاصر، يروي أحد المختصين أن رجلًا كان يطارد السكينة في كل مكان؛ جرّب دورات التنمية، وقرأ عشرات الكتب، وملأ هاتفه بتطبيقات التأمل، لكنه ظل يشعر بفراغٍ لا يفسره شيء.
نصحه صديقٌ مخلص أن يثبت على عشرين دقيقة يوميًا مع القرآن، دون انقطاع، مهما ازدحمت الأيام.
بعد أشهر، لم تتغير الحياة من حوله كثيرًا، لكن الذي تغيّر حقًا هو قلبه.
لقد أدرك أن القرآن لا يُبعد عن الإنسان مشقات الدنيا، لكنه يمنحه القوة ليتجاوزها، واليقين ليحسن الظن بالله، والنور ليرى الأشياء بحقيقتها.
قال الفيلسوف الروماني سينيكا: “ليست المشكلة أننا نملك وقتًا قصيرًا، بل أننا نهدر كثيرًا منه.”
أما الأديب الروسي ليو تولستوي فكان يرى أن الإنسان لا يستطيع العيش دون معنى.
وأي معنى أعظم من كلام الله؟
وأي نجاة أصدق من بابٍ فتحه الله لعباده في كل وقت، لا يحتاج إلا إلى قلبٍ حاضر؟
إن السخرية المؤلمة في عصرنا أننا نبحث عن الطمأنينة في كل الاتجاهات، بينما نهمل المصدر الذي وصفه الله بالشفاء والرحمة والهداية.
نركض خلف النصائح السريعة، ونستهلك أعمارنا في متابعة كل جديد، ثم نؤجل موعدنا مع القرآن إلى الغد.
وما أكثر الغد الذي لا يأتي.
إن العمر لا يضيع دفعةً واحدة، بل يتسرب دقيقةً بعد دقيقة، حتى نستيقظ ذات يومٍ على حقيقةٍ موجعة؛ أن ما أهملناه بالأمس كان أجدر ما يُعتنى به.
ابدأ اليوم.
اجعل من عشرين دقيقة عهدًا لا يُنقض بينك وبين كتاب الله.
لا تنتظر فراغًا كاملًا، فالحياة لا تخلو من الانشغال، لكن القلوب التي تعظم كلام الله تجد الوقت له وسط أكثر الأيام ازدحامًا.
واعلم أن كل دقيقةٍ تقضيها مع القرآن ليست خصمًا من وقتك، بل إضافةٌ إلى عمرك، وبركةٌ في يومك، ونورٌ في قلبك.
فإذا منحك الله ألفًا وأربعمائة وأربعين دقيقة كل يوم، فلا تحرم روحك من عشرين دقيقة تعيد إليها الحياة.
فالمتضرر الوحيد من التأجيل… هو أنت.
●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438



