راضي غربي العنزي – كاتب رأي سعودي
في كل تأخيرٍ حكمة، وفي كل ضيقٍ لطف، وفي كل منعٍ حفظٌ من الله لعباده، وهو سبحانه أرحم بهم من أنفسهم، يدبر أمرهم بحكمةٍ لا تغيب ورأفةٍ لا تنقطع.
كان الرجل قديماً يخرج بعد صلاة الفجر، فيحرث أرضه، ويقضي حاجات أهله، ويزور رحمه، ويجلس مع ضيوفه، ويقرأ شيئاً من كتاب الله، ثم يأوي إلى فراشه آخر الليل وقد أنجز من الأعمال ما يجعل أبناء هذا العصر يظنون أن يومه كان ثمانٍ وأربعين ساعة لا أربعاً وعشرين.
واليوم نستيقظ على هواتفنا قبل أن نستيقظ على أنفسنا، وننام بعد أن نستنفد أعمارنا في التحديق إلى شاشات لا تشبع ولا تكتفي، ثم نردد العبارة ذاتها كل مساء: لا نعرف أين ذهب الوقت!
والحقيقة أن السؤال ليس: أين ذهب الوقت؟ بل: أين ذهبت البركة؟
فالوقت نفسه لم يتغير منذ خلق الله الليل والنهار، والدقائق هي الدقائق، والساعات هي الساعات، ولكن الذي تغير هو الإنسان.
ولذلك كان السلف يدركون أن القضية ليست في عدد الساعات، وإنما فيما يضعه الله فيها من خير ونفع وتوفيق.
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: 96].
فالبركة ليست رقماً حسابياً، بل عطاء رباني يودعه الله فيما شاء من عمر أو رزق أو جهد أو علم أو وقت.
وقد قال رسول الله ﷺ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا» رواه أبو داود والترمذي.
ولعل في هذا الحديث ما يفسر لماذا كان كثير من الصالحين ينجزون قبل الضحى ما نعجز نحن عن إنجازه في يوم كامل.
وإذا أردنا شيئاً من السخرية المؤلمة، فربما كان الهاتف اليوم أكثر الموظفين نشاطاً في حياة الإنسان، فهو أول من يحييه صباحاً وآخر من يودعه مساءً، وهو المدير الذي يوزع الأوامر بلا راتب، ويعقد الاجتماعات بلا دعوات، ويسرق الساعات دون أن يترك وراءه أثراً ملموساً.
العجيب أن كثيراً من الناس يقضون ساعتين في التنقل بين المقاطع القصيرة، ثم يشتكون أنهم لا يجدون عشر دقائق لقراءة كتاب أو زيارة قريب أو الجلوس مع أبنائهم.
كأن الوقت لم يختف، بل اختبأ خجلاً من سوء استعمالنا له.
ويروى عن الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله أنه كان ينجز من أعمال الدولة ما تعجز عنه مؤسسات كاملة في زماننا، ومع ذلك كان يجد وقتاً للعبادة والعلم ورعاية الرعية. ولم يكن السر في امتلاكه ساعات إضافية، وإنما في صدق التوجه إلى الله، وحسن ترتيب الأولويات، وإدراك قيمة العمر.
فحين يمتلئ القلب بمعرفة الله وتعظيمه، يصبح الإنسان أكثر وعياً بما يستهلك أيامه، لأن المؤمن يعلم أن العمر رأس ماله الحقيقي، وأن كل دقيقة تمضي لن تعود أبداً.
ولقد أحسن الفيلسوف الروماني سينيكا حين قال: “ليس لدينا وقت قليل، ولكننا نهدر كثيراً منه”. وكأنه ينظر إلى حالنا اليوم ونحن نحمل الأجهزة الذكية في أيدينا بينما نعاني من إدارة أبسط مواردنا: الوقت.
وقال الحكيم الصيني كونفوشيوس: “من يطارد عصفورين يفقدهما معاً”. وهذه حكمة تصف عصرنا بدقة مدهشة؛ عصر الإشعارات المتلاحقة والانشغالات المتزاحمة والأفكار المتنافسة.
لكن الحقيقة الأعمق من ذلك كله أن البركة ليست مهارة تنظيمية فقط، بل علاقة روحية قبل أن تكون خطة زمنية.
فالإنسان حين يكثر من ذكر الله، ويحافظ على صلاته، ويبر والديه، ويصل رحمه، ويصدق في عمله، يجد أثراً عجيباً لا تفسره الجداول الإلكترونية ولا دورات التنمية البشرية.
إنه أثر البركة.
ذلك السر اللطيف الذي يجعل ساعة واحدة تنجز ما لا تنجزه ساعات طويلة.
وقد شهدنا في زماننا قصصاً كثيرة تؤكد ذلك. هناك رجلاً يعمل في وظيفة مرهقة، وله أسرة كبيرة، ومع ذلك يحفظ القرآن، ويزور والديه أسبوعياً، ويقرأ باستمرار، ويشارك في أعمال الخير. سأله أحدهم: كيف تجد الوقت لكل هذا؟
فابتسم وقال: “لست أملك وقتاً أكثر منكم، لكنني أحاول ألا أبدأ يومي بمعصية، وألا أنهيه بغفلة.”
قد تبدو العبارة بسيطة، لكنها تحمل سراً عظيماً.
فالبركة هبة من الله، والله سبحانه إذا بارك في القليل صار كثيراً، وإذا نزع البركة من الكثير صار قليلاً.
ولذلك ترى بعض الناس يملكون ساعات طويلة فارغة، لكنهم لا ينجزون شيئاً يذكر، بينما ترى آخرين تضيق بهم الأيام من كثرة الأعمال، ومع ذلك يتركون آثاراً عظيمة في حياتهم وحياة غيرهم.
إن مشكلة عصرنا ليست قلة الوقت، بل تشتت القلب.
وليست ندرة الساعات، بل وفرة الملهيات.
وليست سرعة الأيام، بل بطء الهمم.
ولعل أعظم ما نخسره حين تضيع البركة ليس الإنجاز، بل الطمأنينة.
فالإنسان الذي يركض طوال يومه ثم يشعر أنه لم يحقق شيئاً، يحمل في داخله شعوراً خفياً بالاستنزاف والفراغ، أما من بارك الله له في وقته فإنه يشعر بالرضا حتى لو كانت إنجازاته قليلة، لأن البركة تمنح الأشياء معناها قبل أن تمنحها حجمها.
وفي نهاية المطاف يبقى السؤال معلقاً أمام كل واحد منا: هل اختفت البركة من الوقت حقاً، أم أننا نحن الذين ابتعدنا عن الأبواب التي كانت تدخل منها؟
إن الله سبحانه هو المبارك، ومنه البركة، وبيده الخير كله، وما افتقر عبد إلى ربه إلا أغناه، وما تعلق قلب بالله إلا أصلح له شأنه، وما حفظ وقته بطاعة الله إلا حفظ الله له عمره وأثره وذكره.
فالوقت ما زال هو الوقت، والشمس ما زالت تشرق كل صباح، لكن البركة لا تسكن الساعات وحدها، بل تسكن القلوب التي تعرف ربها، وتوقن أن العمر رحلة قصيرة، وأن أجمل ما فيها أن تمضي تحت رعاية الله ولطفه وتوفيقه.
bismallah34@gmail.com
●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438



