في مجلس عائلي بإحدى البيوت السعودية، ومع انتهاء مناسبة عائلية عامرة بالأطباق المتنوعة، جلس الأب (أبو فهد) يتأمل المائدة التي لا تزال ممتلئة بما لذّ وطاب، بينما بدأ الجميع يغادر المكان.
التفت بهدوء إلى أبنائه وقال: هل ترون هذا الطعام؟ جزء كبير منه سيُرمى… رغم أنه يكفي عائلة كاملة.
ساد الصمت للحظات، قبل أن يضيف: الكرم الحقيقي ليس في كثرة الطعام… بل في عدم هدره.
هذا الحوار البسيط يعكس واقعًا يتكرر كثيرًا في المجتمع السعودي، خصوصًا في المناسبات والعزائم، حيث يرتبط الكرم في نظر البعض بالمبالغة في تقديم الطعام وتعدد الأصناف، حتى لو انتهى الحال بمعظمها إلى الهدر.
*أرقام تكشف حجم المشكلة*
تشير التقديرات في المملكة العربية السعودية إلى أن معدلات هدر الطعام تُعد من الأعلى عالميًا، حيث يُهدر جزء كبير من الغذاء على مستوى الأفراد والأسر، خاصة في المدن الكبرى.
ويشمل هذا الهدر نسبًا مرتفعة من:
• الخضروات والفواكه
• الأرز والأطباق الرئيسية
• الأطعمة الجاهزة والمتبقيات بعد المناسبات
هذا الواقع يعكس خللًا في أنماط الاستهلاك، حيث يتم إعداد كميات تفوق الحاجة الفعلية.
*في المناسبات… الكرم يتحول إلى إسراف*
في الأعراس، والعزائم، وحتى التجمعات البسيطة، تتكرر ظاهرة المبالغة في تقديم الطعام.
يُنظر إلى تنوع السفرة وكثرتها كعلامة على حسن الضيافة، مما يدفع الكثيرين إلى:
• إعداد كميات أكبر من الحاجة
• تقديم أصناف متعددة دون تخطيط
• التخلص من الفائض بدل إعادة استخدامه
وغالبًا ما تنتهي هذه العادات إلى هدر نسبة كبيرة من الطعام، رغم إمكانية الاستفادة منه.
*ظاهرة عالمية… لكن أثرها محلي كبير*
هدر الطعام ليس حكرًا على دولة معينة، بل هو مشكلة عالمية.
لكن في السياق السعودي، تتفاقم أهميته بسبب:
• ارتفاع معدلات الاستهلاك
• الاعتماد الكبير على استيراد الغذاء
• الظروف البيئية الصحراوية التي تجعل الموارد أكثر حساسية
وهذا يجعل ترشيد الاستهلاك مسؤولية وطنية، وليس فقط سلوكًا فرديًا.
*أبعاد بيئية واقتصادية خطيرة*
هدر الطعام لا يعني فقط خسارة المال، بل له آثار أعمق تشمل:
• بيئيًا: تحلل الطعام المهدر ينتج غاز الميثان، وهو من الغازات المسببة للاحتباس الحراري
• اقتصاديًا: خسارة موارد مالية وطاقة ومياه استُخدمت في إنتاجه
• اجتماعيًا: وجود أسر محتاجة يمكن أن تستفيد من هذا الفائض
*مبادرات وجهود في المملكة*
في السعودية، برزت العديد من المبادرات للحد من هدر الطعام، منها:
• حملات التوعية المجتمعية، خصوصًا في شهر رمضان
• مبادرات حفظ النعمة وإيصال الفائض للمحتاجين
• تعاون الجمعيات الخيرية مع المطاعم والفنادق لإعادة توزيع الطعام
وقد أثبتت هذه الجهود أن إعادة توجيه الفائض يمكن أن يحقق أثرًا ملموسًا في المجتمع.
*كيف نُحدث التغيير من داخل المنزل؟*
التغيير الحقيقي يبدأ من الأسرة، من خلال ممارسات بسيطة مثل:
• إعداد كميات مناسبة لعدد الأفراد
• التخطيط المسبق للوجبات والمشتريات
• حفظ بقايا الطعام بطريقة صحيحة لإعادة استخدامها
• التبرع بالفائض عبر الجمعيات الموثوقة
• تعليم الأبناء احترام النعمة وعدم الإسراف
*الخلاصة*
عاد أبو فهد لينظر إلى أبنائه قائلاً:
احترام الطعام من احترام النعمة… وما نهدره اليوم قد يكون حاجة لغيرنا غدًا.
في تلك اللحظة، أدرك الأبناء أن الحفاظ على الطعام في المجتمع السعودي ليس مجرد عادة منزلية، بل قيمة إنسانية، ومسؤولية مجتمعية، وانعكاس حقيقي لمعنى الكرم الأصيل الذي لا يقوم على الإسراف، بل على الحكمة والتقدير.
*م/ ياسين حمدي*
خبير وقاضي دولي في زيت الزيتون
عضو الجمعية العلمية للصناعات الغذائية – جامعة الاسكندرية



