هناك بابٌ لم تطرقه بعد…!!

راضي غربي العنزي – كاتب سعودي

«إذا ضاقت الطرق في عينيك، فتذكّر أن رحمة الله لا تضيق، وأن الواسع سبحانه يفتح لعباده من الخير ما تعجز العقول عن تصوره.»

كم هو غريب حال الإنسان! يقف طويلًا أمام بابٍ أُغلق، حتى ينسى أن الدنيا لم تُخلق بباب واحد، وأن فضل الله سبحانه لا يُختزل في سبب، ولا يُحاصر في طريق، ولا يتوقف عند أمنية. يحدق في القفل حتى يرهق بصره، بينما أبواب الإحسان التي يفتحها الله من حوله لا تزال تنتظر التفاتة قلب قبل أن تكون التفاتة عين.

ومن لطائف معرفة العبد بربه أن يتعبد لله باسمه الواسع، فيوقن أن الله جل جلاله واسع الرحمة، واسع الفضل، واسع المغفرة، واسع الإحسان، وأن عطاياه لا تنفد، وأن خزائنه لا تنقصها كثرة السائلين، فهو سبحانه الغني الحميد، الكريم المجيد، لا إله إلا هو، له الحمد أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا، ولا حول ولا قوة إلا به.

ولذلك قال الإمام السعدي رحمه الله كلامًا يكتب بماء الذهب، حين بيّن أن المؤمن إذا علم أن الله واسع الفضل والعطاء، وأن أبواب إحسانه لا نهاية لها، لم يستوحش إذا أُغلق أمامه باب، لأنه يعلم أن فضل الله لا يُعد ولا يُحصى، وأن الله قد يفتح لعبده من وجوه الخير ما لم يخطر له على بال.

إن أكثر ما يرهق الإنسان ليس الفقد، بل ظنه أن الفقد هو النهاية. وهنا تكمن المفارقة؛ فالعقل المحدود يريد أن يجعل فضل الله محدودًا بما يعرف، فإذا تعطلت وظيفة قال: انتهى الرزق. وإذا خسرت تجارة قال: ضاعت الحياة. وإذا تأخر أمر تمناه قال: أُغلقت الدنيا. وكأن فضل الله سبحانه كان معلقًا بذلك السبب وحده! وما أعجب هذا الوهم، فالعبد يضيق، وربه هو الواسع، والعبد ينسى، وربه هو العليم، والعبد يعجز، وربه على كل شيء قدير.

قال الله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنۢ بَعْدِهِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر: ٢]. فما أعظمها من آية! إنها لا تدعو المؤمن إلى التفاؤل فحسب، بل تدعوه إلى معرفة ربه، فمن عرف سعة الله هان عليه ضيق الدنيا.

وقال رسول الله ﷺ: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفت الصحف». رواه الترمذي.

وفي تاريخ المسلمين صور تشرق بالأمل. فهذا الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، اشتدت عليه المحنة، وضاق عليه الناس، وظن كثيرون أن الطريق قد انتهى، فإذا بالمحنة نفسها تصبح سببًا في رفعة ذكره وثبات علمه، حتى بقي اسمه حيًا في الأمة، وذهب من آذاه ولم يبق إلا الأثر الطيب. لقد كان الباب الذي أُغلق في نظر الناس، بابًا فتح الله منه أبوابًا من الخير والعز والثناء الحسن.

وفي زماننا تتكرر الحكاية بأسماء مختلفة. شاب عاد من مقابلة عمل يجر أذيال الخيبة، وظن أن حلمه قد انكسر، ثم ساق الله إليه بعد أشهر فرصة لم يكن يحلم بها، فإذا هي أصلح لدينه وأكرم لمعيشته وأوسع لأثره. وكم من إنسان بكى على أمر لم يتم، ثم حمد الله بعد سنوات أن ذلك الأمر لم يقع. ولو كُشف للناس لطف الله الخفي، لاستحوا من استعجالهم، ولعلموا أن الكريم سبحانه لا يمنع عبده إلا ليعطيه خيرًا، ولا يؤخر عنه إلا لحكمة، ولا يفتح بابًا إلا بعلم، ولا يغلق بابًا إلا برحمة.

وقد قال سينيكا: “ليست السعادة في أن يحدث كل شيء كما نريد، بل أن نحسن التعامل مع ما يحدث.” وقال ماركوس أوريليوس: “العائق في الطريق قد يصبح هو الطريق.” وهذه المعاني، على ما فيها من حكمة، يبلغها المؤمن إلى أفق أسمى، لأنه لا يربط قلبه بالحوادث، وإنما يربطه بالله، فيعلم أن الخير كله بيد الله، وأن الفضل كله من الله، وأن التوفيق نعمة من الله، وأنه سبحانه أكرم من أن يخذل عبدًا أحسن الظن به وأقبل عليه.

ولعل أعظم خسارة أن يظن الإنسان أن بابًا واحدًا يحمل مستقبله كله. فالرزق لا يسكن وظيفة واحدة، والطمأنينة لا تسكن بيتًا واحدًا، والنجاح لا يقيم في طريق واحد، لأن الله هو الواسع، ومن كان الله معه فلن يضيق عليه ما وسعه الله.

فلنُكثر من الثناء على الله، ولنُعظم أسماءه الحسنى في قلوبنا، ولنجعل يقيننا متعلقًا به وحده، فهو سبحانه الأول والآخر، والظاهر والباطن، العزيز الحكيم، الفتاح العليم، الكريم الوهاب، لا تنفد خزائنه، ولا يعجزه شيء، ولا يخفى عليه شيء، ولا يُسأل عن فضله، بل هو أهل الحمد كله، والمجد كله، والكمال كله، سبحانه وتعالى عما يظن الظانون.

فإذا أغلق باب، فلا تقف عند صوته وهو يُغلق، بل أنصت إلى أبواب أخرى يفتحها الله برحمته. وإذا تأخر عليك ما تحب، فلا تتهم رحمة الله، بل اتهم استعجالك. واعلم أن المؤمن لا يعيش بين باب مفتوح وباب مغلق، بل يعيش في رحاب رب واسع الفضل، واسع الرحمة، واسع الإحسان، ومن كان الله رجاءه، فلن يضيق أمله، ولن تنطفئ في قلبه شعلة الرجاء.

الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438

bismallah34@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top