بقلم: علي السبع

هناك أشخاص يدخلون حياتنا من باب الشهرة، ثم تثبت الأيام أن قيمتهم الحقيقية لم تكن في الشهرة أصلًا.

وهناك نجوم تصنعهم الملاعب، ثم تصنع أخلاقهم مكانتهم في قلوب الناس.

والخلوق سعيد العويران واحد من هؤلاء.

حين يُذكر اسمه، تقفز إلى الذاكرة كرة القدم، والمنتخب السعودي، والهدف الذي أصبح واحدًا من أشهر الأهداف في تاريخ الكرة السعودية والعالمية. لكن اختزال سعيد العويران في لاعب موهوب وهدف تاريخي، في رأيي، اختزال لإنسان أكبر من لحظة رياضية، وأعمق من شهرة صنعتها المستطيلات الخضراء.

فاللاعب قد يصنع هدفًا يبقى في الذاكرة، لكن الإنسان يصنع موقفًا قد يبقى في القلب.

وهنا تبدأ الحكاية الأجمل لسعيد العويران.

لقد غادر الملاعب، لكنه لم يغادر الناس.

وهذه الجملة وحدها تختصر كثيرًا من سيرة رجل استطاع أن يحافظ على إنسانيته بعد أن أصبح نجمًا. فالشّهرة، في أحيان كثيرة، تضع مسافة بين الإنسان والناس؛ تجعل صاحبها أكثر انشغالًا بصورته، وأكثر حرصًا على مكانته، وربما أكثر ابتعادًا عن البساطة التي كان يعيش بها قبل أن يعرفه الجميع.

لكن سعيد العويران ظل، كما يراه من عرفه واقترب منه، قريبًا من الناس، بسيطًا في حضوره، عفويًا في تعامله، متواضعًا في حديثه، بعيدًا عن التكلف الذي قد تصنعه الشهرة في بعض النفوس.

وهذه ليست صفات عابرة.

إنها أخلاق.

والأخلاق هي الاختبار الحقيقي للشهرة.

فليس صعبًا أن تكون متواضعًا قبل أن يعرفك الناس، لكن الصعوبة أن تحافظ على تواضعك بعد أن يعرفك الجميع.

وليس صعبًا أن تبتسم لمن يساويك في المكانة، وإنما الجمال أن تظل قادرًا على الابتسام في وجه الإنسان البسيط الذي لا يملك لك شيئًا.

وليس صعبًا أن تكون قريبًا من الناس عندما تحتاج إليهم، وإنما القيمة أن تبقى قريبًا منهم عندما لا تحتاج إلى شيء.

وفي سعيد العويران شيء من هذه الروح.

رقيّ في التعامل، وبساطة في الحضور، وكرم في المشاعر، ووفاء في العلاقات، وتواضع يليق بمن عرف أن الإنسان أكبر من اسمه، وأبقى من شهرته.

ودائمًا، أجمل ما في الإنسان ألّا تجعله مكانته يرى نفسه فوق الآخرين.

فكلما ارتفع الإنسان الحقيقي، ازداد إدراكًا لقيمة من حوله.

وهذا هو الرقي الذي لا تمنحه الألقاب، ولا تصنعه الشهرة، ولا تكتبه الصحف.

إنه رقي السلوك.

أن تعرف كيف تدخل قلوب الناس دون استئذان، وكيف تجلس بينهم دون أن تشعرهم بأنك مختلف عنهم، وكيف تمنح الآخرين احترامك دون أن تنتظر مقابلًا.

وسعيد العويران، في حضوره الإنساني، يمثل نموذجًا جميلًا لهذا النوع من النجومية.

نجومية لا تعتمد على الأضواء.

نجومية لا تحتاج إلى ملعب.

نجومية لا تنتهي بصافرة حكم.

فالشهرة قد تجعل الإنسان معروفًا، لكن الأخلاق هي التي تجعل الإنسان محبوبًا.

وهناك فرق كبير بين أن يعرفك الناس وأن يحبك الناس.

الأولى قد تصنعها مباراة، أما الثانية فتحتاج إلى سنوات من المواقف.

ولذلك فإن أجمل ما يمكن أن يتركه المشهور بعد سنوات من الأضواء ليس عدد الصور التي التقطها، ولا عدد المقابلات التي أجراها، ولا عدد الجماهير التي هتفت باسمه، وإنما مقدار الاحترام الذي بقي له في نفوس الناس.

وسعيد العويران ترك للكرة السعودية تاريخًا، لكنه ترك للناس أيضًا صورة مختلفة للنجومية.

صورة تقول إن النجم يستطيع أن يبقى قريبًا.

وأن الشهرة لا تعني التعالي.

وأن النجاح لا يلغي البساطة.

وأن الإنسان يستطيع أن يحمل مجده دون أن يحمل معه شعورًا بالتفوق على الآخرين.

وهذه من أجمل الصفات التي يمكن أن يتحلى بها إنسان عرف طريق الشهرة مبكرًا.

فالحياة، في النهاية، لا تسألنا: كم شخصًا عرف اسمنا؟ بل تسألنا: كم قلبًا تركنا فيه أثرًا جميلًا؟

ولا تسألنا: كم مرة صفق لنا الناس؟ بل: كم مرة شعر إنسان بالقرب منا بأنه مُقدَّر ومحترم؟

ولا تسألنا عن عدد إنجازاتنا فقط، بل عن الطريقة التي تعاملنا بها مع الآخرين ونحن نحقق تلك الإنجازات.

ومن هنا، فإن سعيد العويران لم يكن مجرد لاعب سجل هدفًا تاريخيًا.

كان إنسانًا عرف كيف يحافظ على إنسانيته بعد أن أصبح نجمًا.

وهذه، في تقديري، بطولة من نوع آخر.

بطولة لا تُسجَّل في جدول المباريات، ولا تمنحها الاتحادات، ولا يرفعها اللاعب فوق رأسه وسط الجماهير.

إنها بطولة الحياة.

أن تنتصر على غرور الشهرة.

أن تنتصر على إغراء المكانة.

أن تبقى بسيطًا رغم أن الناس يضعونك في مكان مختلف.

أن تظل وفيًّا لمن عرفوك قبل الشهرة، وقريبًا ممن أحبوك بعدها.

وهكذا يصبح الإنسان أكبر من إنجازه.

فالهدف الذي سجله سعيد العويران سيبقى حاضرًا في ذاكرة الكرة السعودية، لكن مواقفه الإنسانية، ورقيّه في التعامل، وتواضعه، وبساطته، وقربه من الناس، هي التي تمنح صورته امتدادًا أبعد من الملعب.
لقد غادر سعيد العويران المستطيل الأخضر، لكنه لم يغادر ذاكرة الرياضة، والأهم أنه لم يغادر قلوب الناس.
وهنا تكمن المفارقة الجميلة في سيرته:
قد ينسى الناس تفاصيل مباراة، وقد تتغير الأجيال، وقد تظهر أسماء جديدة، لكن الإنسان الذي ترك وراءه احترامًا ومحبة لا يغيب بسهولة.
لأن الملاعب تصنع النجوم، أما الأخلاق فتصنع الأثر.
ولهذا سيبقى سعيد العويران في الذاكرة السعودية، ليس فقط بوصفه أحد أبرز نجوم كرة القدم، وإنما بوصفه نموذجًا لإنسان استطاع أن يجمع بين الموهبة والتواضع، والشهرة والبساطة، والحضور والرقي، والنجاح وحسن الخلق.
وهذه هي النجومية التي تستحق أن نتوقف عندها.
فالإنسان قد يركض خلف الكرة سنوات، حتى يسجل هدفًا لا ينساه التاريخ.
لكن الأجمل أن يركض خلف المعنى طوال حياته، وأن يترك وراءه من الذكريات ما يجعل الناس يبتسمون كلما مر اسمه في ذاكرتهم.
فالأهداف قد تسكن الذاكرة، لكن الأخلاق تسكن القلوب.
وسعيد العويران، في أجمل صور نجوميته، لم يكتفِ بأن يكون نجمًا فوق المستطيل الأخضر؛ بل استطاع أن يكون إنسانًا يُحبّه الناس خارج المستطيل.
وهذه، ربما، أعظم مباراة يمكن للإنسان أن يفوز بها.
أن يغادر المكان، ويبقى الأثر.
أن تنتهي الشهرة، وتبقى المحبة.
أن يغادر الملاعب، ويسكن القلوب حتى الثمالة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top