*الأفندي الوهابي*

*عبدالمجيد بن محمد العُمري*

الوهّابيةُ وَهْمٌ، أواسمٌ اخترعته الدِّعاية المفترية ضد المنهج الدعوي السلفي وأُذيعت من قبل المعادين لهذه الدعوة المباركة ، وزعموا أن الوهّابية فرقةٌ مبتدعةٌ معاديةٌ للسّنّة وأهلها.
والحق أن الحالة الدِّينيّة في أواخر العهد العثماني انتشر فيها البدع والضّلالات الطّرقيّة وغيرها،وفَشَت الخرافات والاعتقادات الشّركيّة، واستَحْكَمت الانحرافات والمستحدثات في الأقوال والأعمال،وبلغت الأمّة مبلغاً عظيماً من الانحطاط دينياً، وفسدت لفساد العقائد واختلال العبادات الأخلاقُ والسُّلوكات، وكثر علماءَ السُّوء ودعاة الضّلالة؛ أنصار البدع، وجدَّدَ الدّعاية الكاذبة السّيِّئة أهل الضلال والمستعمرون في بلدان العالم الإسلامي ليصرفوا الناس عن الطريق المستقيم والمنهج القويم، وحاولوا من هذه التّسمية أن يُثبتوا أنّها دينٌ خارجٌ عن الإسلام».
كان الأفندي محمّد حسين نصيف في ريعان شبابه يتنقّل بين قصر جدِّه الأفندي عمر نصيف وكيل الأتراك والأشراف بمدينة جدّة،حيثُ كانت الأنشطة على مستوى الإدارة المزدوجة بين الأتراك والأشراف تُمارَس في أغلب الأحيان بهذا القصر،وبين أساتذته ومكتبته الزّاخرة بالمراجع؛المشتملة على الكتب والمعلّقات (القديمة والمعاصرة)، وعندما توفِّي هذا الجدّ الّذي كان يقوم بدورٍ كبيرٍ في مجال التّسيير والإشراف نيابةً عن الدّولة التّركية وأشراف مكّة، تولَّى الشّيخ محمّد نصيف جميع المهامّ التي كانت مَنوطةً به وزيادة،فقام بهذه الأعمال على الرّغم من حداثة سنِّهِ، وكان يعد أحد أبرز أعلام الحجاز وأثرى أثريائها، فقد ورث عن آبائه وأجداده مالاً وعقاراً أنفقها -محتسباً الأجر- في طباعة الكتب وتوزيعها بالمجان،وفي إكرام الضيوف من الملوك والعلماء والعامة.
في زمن الأشراف وقبل دخول الملك عبد العزيز إلى الحجاز كان الشّيخ أحمد بن عيسى «النَّجدي» -رحمه الله -يشتري الأقمشة من الشّيخ عبد القادر التّلمساني-رحمه الله -أحد تجار جدّة،فيدفع له على أقساط، وآخر قسط يحلّ يسلّمه إذا جاء إلى مكّة للحجّ من كلّ عام،ودام التّعامل بينهما زمنًا طويلاً،وكان الشّيخ أحمد يأتي بالأقساط في موعدها المحدّد لايتخلّف،فقال له الشّيخ عبد القادر:إنِّي عاملتُ النّاس أكثر من 40 عاماً،فما وجدتُ أحسن من التّعامل معك –يا وهّابي- فيظهر أن ما يُشاع عنكم يا أهل نجد مبالغٌ فيهِ مِن خصومكم السّياسيّون،فسأله أن يبيّن له هذه الشّائعات، واستمرّ النّقاش بينهما في توحيد العبادة وتوحيد الأسماء والصّفات حتّى اقتنع بمذهب السّلف، ثمّ أن التّلمساني صار بعد هذا مِن دعاة العقيدة السّلفيّة، «قال الشّيخ محمّد نصيف: فهداني اللهُ إلى عقيدة السّلف بواسطة الشّيخ عبد القادر،فالحمدُ لله على توفيقه.
في بيت الشّيخ محمّد نصيف لقاءٌ أسبوعيٌّ يجتمع فيه كافّة طبقات النّاس ويتعلّمون العقيدة السّلفية،كما اتفق الشّيخ محمّد نصيف والشّيخ عبد القادر التّلمساني على نشر وطبع كتب السَّلف بالتعاون مع الشيخ محمد رشيد رضا في مصر، ويصفُ تقيّ الدّين الهلالي الّذي نزل ضيفًا على نصيف في حجِّ عام 1341ه،يقول:
«ملكُ الحجاز غيرُ المتوَّج: هكذا كان يُسمِّي السّيِّد رشيد ظ عميدَ السّلفيِّين في الحجاز الشّيخ محمّد نصيف،وقد كان في تلك الأيّام المظلِمة سراجاً يُضيء لمن ألهمه اللهُ رشده طريق التّوحيد واتّباع السّنّة،وكان بيتُهُ لايخلو من الضّيوف الواردين من جميع أنحاء الدُّنيا من أُمراء البيت الهاشمي… إلى فقراء الحجّاج من أهل الهند…هكذا وجدته سنة1341هـ…ومع أنّه كان متّهمًا بالوهّابيّة كان موضعَ احترامٍ وإجلال مِن جميع النّاس من الملك حسين وأبنائه إلى الطّبقة السُّفلى من العامّة؛لأنّه من أشرف بيوتات الحجاز ولما آتاه الله من علوِّ القدر والوجاهة والمهابة وللسّخاء العظيم الّذي هو مِن أخصِّ صفاته…»، «ومع شدّة عداوة الملك حسين لمن يسمِّيهم بالوهّابيِّين كان يُحْجِم عن الإساءة إلى هذا الرّجل الكريم إلى أواخر أيّام ملكه فقبض عليه ونفاه من الحجاز إلى قبرص فسُجن هناك وعزم على قتله،فانهالت عليه البرقيات مِن جميع أنحاء العالم تحذِّره من هذه الجريمة ومن جملة مَن حذّره ابنه فيصل الأوّل وسائر أبنائه،وبعد سجنٍ دام أربعين يومًا أَطلق الله سراحه ليعود إلى خدمة العلم والدِّين وأعمال البرّ وبناء المكرمات.
بعد أن ضم الملك عبد العزيز الحجاز،وفي عام 1344هـ،كان قصر نصيف بجدة هو منزل الملك حين دخوله لجدة للمرة الأولى،وفي هذا القصر كانت الوفود تصل لمبايعته ملكاً على الحجاز،كما شهد القصر كل الاجتماعات التي كانت تعقد لترتيب أمور الدولة،وقد اتخذ الملك عبد العزيز -رحمه الله-من هذا القصر مقراً له لسنوات طويلة كلما قدم إلى مدينة جدة،ثم انتقل إلى القصر الأخضر بالعمارية،ثم انتقل إلى قصر خزام ب”النزلة”وهو القصر الذي بناه المعلم “محمد بن لادن”-رحمه الله -،واستمر جلالته يتخذ من قصر “خزام” مقراً له إلى حين وفاته.
كان الشيخ محمد نصيف مقدراً من ولاة الأمر غاية التقدير وله مكانة خاصة لدى الملوك، وكان الملك عبد العزيز،وولداه الملك سعود والملك فيصل، يبالغون في إكرامه ويزورونه في بيته، ولقد أمر الملك فيصل بن عبد العزيز بشراء قصر نصيف ومكتبته،وجعلهما ملكاً للدولة، وإبقائهما أثراً وتاريخاً،يسميان باسم نصيف،وما زال الأمر كذلك إلى يومنا هذا،كان للشيخ محمد نصيف -رحمه الله -مراسلات كثيرة مع عدد من الملوك والأمراء والشيوخ والعلماء والأعيان والوجهاء وتجار الكتب وغيرهم،وقد جمعت هذه المراسلات فبلغت سبعة مجلدات،وفي هذه الوثائق عديد من الأخبار والمعلومات المهمة.
وقد أجمع الناس على محبته لما كان يتحلى به من الصفات الكريمة والأخلاق الفاضلة وحبه للخير والإحسان وإصلاح ذات البين،وكانت دارهم العامرة مقصداً لذوي الحاجة لما يجدونه من الدعم السخي والالتفاتة الحانية والشفاعة الحسنة،ومع الكرم الذي عرف به إلا أن إكرامه وإجلاله للعلماء مشهود له ولاسيما من يفدون على مكة المكرمة؛فيستضيف ويلتقي علماء وقادة تلك البلاد مع من يفد إليها من العلماء والزعماء العرب فكانت لقاءاته بالسيد محب الدين الخطيب وأحمد محمد شاكر والشيخ حسنين مخلوف،والشيخ طه الساكت،والشيخ أحمد الباقوري، والشيخ بهجة البيطار،والشيخ ناصر الدين الألباني،والشيخ محمد بن كمال الخطيب، والشيخ علي الطنطاوي،والشيخ مصطفى السباعي،والشيخ زهير الشاويش،والأستاذ سعيد الأفغاني،والأستاذ عصام العطار، والحاج عبد اللطيف أبو قورة، والأستاذ محمد عبد الرحمن خليفة،والأستاذ أحمد الخطيب والشيخ سعدي ياسين، والشيخ حسن خالد،والشيخ عبد الرحمن عاصم،والحاج محمد أمين الحسيني، والأستاذ سعيد العبار وغيرهم فضلاً عن الذين راسلهم أمثال السيد أبي الأعلى المودودي، والشيخ محمد البشير الإبراهيمي،واللواء محمود شيت خطاب، والأستاذ كامل الشريف، والدكتور تقي الدين الهلالي، ومحمد هاشم الهدية وغيرهم -رحمهم الله -ممن التقاهم عندما نزلوا عنده،كما كانت للشيخ محمد نصيف رحلات كثيرة إلى مصر،وسورية،ولبنان فكان يبادل العلماء الزيارات، وتميزت مجالس الشيخ محمد نصيف بأسلوبه المقنع في الحوار، ولباقته، وهدوئه وتفكيره الرصين، ورباطة جأشه، وسلامة ذوقه، وسعة علمه، وقدرته على توجيه وقيادة مجالس العلم وحصر المساجلات العلمية في مجال الإفادة والاستفادة والابتعاد عن الجدل العقيم أوالمراء المذموم والتعصب.
في هذه البيئة الصالحة النقية الطاهرة المعطرة بنور القرآن وفي بيت العلم والفضل الذي جعل العلم من أهم واجباته وأولوياته.. وفي الوقت الذي كان تعليم البنات يكاد يكون من المحظورات، وبالتالي لم ينتشر إلا في عهد جلالة الملك سعود -رحمه الله – حيث قامت والدة معالي الدكتور «عبد الله عمر نصيف» وشقيقها، بمخاطبة جلالة الملك سعود ـ عن طريق والدها ـ للإذن بافتتاح مدرسة للبنات،وأحيل الطلب إلى مفتي المملكة آنذاك سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم -رحمه الله – وبعد فترة ليست بالقصيرة، حصل الإذن بافتتاح أول مدرسة للبنات في مدينة جدة، وكان مقرها في «بيت نصيف» الشهير في «سوق العلوي» وبلغت أول دفعة من طالباتها أربعمائة،مما يشير إلى رغبة المجتمع الجامحة في تعليم بناته.
لقد انطلقت بذور الخير من هذا البيت المبارك وعم نفعها البلاد والعباد، وليس غريباً أن يستمر الخير في هذه الأسرة الطيبة، فمن توفيق الله أن يُهيأَ للمرء منذ طُفولته أسباب الهداية والصَّلاح، ويُنشَّأَ عليها، ليُروى من معين الإيمان ويستنير بأنوار الرحمن،ليعيش بظلال القرآن وأيّ هدايةٍ وظلالٍ وارفةٍ في آياته، وما أعظمها من نعمة في العيش معه،وأتمها من فضل،ويا نِعِمَّا الأبوان الصَّالحانِ لهذه المهمَّة العظيمة ليكونا للأبناء نعم العون والزاد،ليعيش الفتى مرتوياً من فيوض الإيمان،غارفاً من معين التقوى، مستصحباً مراقبة الله في جميع أموره، ليعيش مع الله في كل حالاته، وهذا ما غرسه الشيخ محمد نصيف في أبنائه وبناته وأحفاده وحفيداته.
________________
عبدالمجيد العُمري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top