اليوم للمرة الأولى ركبت مترو الرياض.. وما إن بدأت الرحلة حتى شعرت أنني أمام شيء يتجاوز فكرة النقل والمواصلات.. كنت أمام مشهد من مشاهد المستقبل وقد أصبح واقعاً يمشي على أرض الرياض وتحتها.
ذهلت من هذا الإنجاز الكبير؛ ومن دقة التصميم وروعة التنفيذ؛ وحجم المشروع الذي يكشف عن مدينة لا تكتفي بأن تكبر؛ بل تريد أن تسبق الزمن!!
شبكة هائلة من الأنفاق تمتد تحت الأرض؛ يصل عمق بعضها إلى نحو 35 متراً وتمتد مساراتها تحت مدينة الرياض لعشرات الكيلومترات.. فتشعر وأنت تسير في أعماق الأرض أن الرياض بنت لنفسها مدينة أخرى في باطنها. مدينة تنبض بالحياة والحركة والنظام.
أتذكر جيداً أول مرة رأيت فيها قطارات الأنفاق؛ كانت في لندن عام 1995م؛
يومها وقفت مبهوراً أمام ذلك العالم الذي يسير تحت المدينة؛ وقلت في نفسي: كيف استطاعوا أن يبنوا مدينة كاملة تحت مدينة؟
واليوم بعد أكثر من ثلاثة عقود أجد نفسي في الرياض في قلب الخليج العربي.. أعيش المشهد ذاته.. بل أراه بصورة مختلفة وأكثر إدهاشاً!!
أن يحدث هذا في الرياض؟! .. نعم حدث.. وهنا تكمن الحكاية؛ فالرياض لم تعد مدينة تنظر إلى المستقبل من بعيد؛ بل أصبحت تذهب إليه بخطى واثقة.
مدينة تتغير ملامحها بسرعة مذهلة.. وتعيد رسم علاقتها بالمكان والزمان والإنسان !!؛ وأنت داخل القطار تنظر من حولك تشعر أن السنوات التي تفصل
بين مشهد لندن عام 1995؛ ومشهد الرياض اليوم قد اختصرت في لحظة واحدة
لحظة تقول لك إن المستحيل ليس دائماً مستحيلاً وإن الطموح حين يجد الإرادة والإمكانات يتحول من حلم إلى حقيقة!!
ماذا يحدث في الرياض ؟!؛ يحدث أن مدينةً عربيةً خليجيةً؛ قررت أن تكتب فصلها الجديد بلغة مختلفة؛ لغة الإنجاز.. والابتكار.. والطموح… ويحدث أن الرياض لم تعد تلاحق مدن العالم فحسب؛ بل أصبحت تقول للعالم: نحن هنا.. ونبني مستقبلنا بأيدينا.
خرجت من المترو وأنا لا أفكر في الرحلة التي انتهت؛ بل في رحلة أكبر بدأت
رحلة مدينة اسمها الرياض؛ تبدو اليوم وكأنها لا تريد أن تصل إلى المستقبل فحسب؛ بل تريد أن تكون هي نفسها عنواناً له .
فيصل خزيم العنزي
الكويت



