حين اكتشفتُ أن بعض الإجابات ليست إلا أسئلةً أخرى!

بقلم: عيسى المزمومي

اعترافات هديل بنت خالد

الجزء الأول: المرأة التي انتظرت كثيرًا

لا أعرف متى بدأتُ أنتظر.
ربما منذ أن بلغتُ العشرين، حين بدأت أرى صديقاتي يخرجن من بيوت آبائهن إلى بيوت أزواجهن، واحدةً تلو الأخرى، فألوّح لهن من بعيد، ثم أعود إلى غرفتي لأرتّب أشياء لا تخصني.
وربما بدأتُ أنتظر قبل ذلك بكثير؛ يوم كنت أسمع نساء العائلة يقلن لأمي:
«هديل جميلة… نصيبها سيكون كبيرًا.»
كنت أضحك يومها، وأظن أن الجمال وحده قادر على فتح أبواب الحياة.
لم أكن أعرف أن الإنسان قد يقف طويلًا أمام باب مفتوح، ثم يظل يظن أنه مغلق.
اسمي هديل.
أبلغ من العمر ثمانيةً وثلاثين عامًا، وأعيش في جدة؛ المدينة التي تعلّمت منها أن البحر يستطيع أن يحمل كل هذا المدى من الماء، ومع ذلك لا يبوح بكل أسراره.
أنا واحدة من تسعة أبناء؛ لي أربعة إخوة وخمس أخوات.
في بيتنا لم يكن ينقصني أحد، ومع ذلك كنت أشعر أحيانًا أن شيئًا ما ينقصني أنا.
كنت أرى أسرتي من حولي تكبر وتتغير، وأرى إخوتي وأخواتي يعبرون مراحل الحياة واحدةً بعد أخرى، بينما بقيتُ أنا في المكان نفسه؛ كأن قطار العمر مرّ من أمامي، ولوّح لي، ثم مضى دون أن ينتظرني.

كان المقرّبون مني يقولون إنني جميلة.

ولا أقول ذلك غرورًا؛ فالجمال، حين يكون المرء شابًا، يصبح شيئًا يراه الآخرون فيه قبل أن يراه هو في نفسه.

أما أخي مشعل، فكان له رأي آخر، أكثر طرافة.

كان يصفني، كلما أراد أن يستفزني، بأنني:

«مقلب مكياج وديكور.»

فأضحك، وأتظاهر بالغضب، بينما كان هو يضحك من انتصاره الصغير.

كان مشعل كوميديًا بطبعه، ويعرف كيف ينتزع الضحكة من أكثر اللحظات جدية.

ولعلني كنت أحب سخريته مني أكثر مما كنت أعترف؛ لأنها كانت تذكّرني بأنني، في بيتنا، لم أكن مجرد المرأة التي تأخر زواجها.

كنت أختًا لها مكانها، حتى لو لم أجد بعد المكان الذي كنت أبحث عنه في الحياة.

كانوا يقولون إنني «ملكة جمال».

كانت الكلمة تفرحني في البداية.

ثم، مع مرور السنوات، أصبحت تؤلمني.

فما قيمة أن يقولوا إنك جميلة، إذا كان الجمال لم يستطع أن يمنحك الطمأنينة التي كنت تبحثين عنها؟

وما قيمة أن تلتفت إليك العيون، إذا لم تجد العين التي تنظر إليك بالطريقة التي كنت تنتظرينها؟

كنت أعيش حياةً عادية في ظاهرها.

أبي رجل كريم، لم يبخل عليّ بما يستطيع.

كان يمنحني كل شهر ألفين وخمسمائة ريال، أعيش بها وأدبّر بها شؤوني.

لم أكن فقيرة، ولم أكن ثرية.

كنت فقط امرأةً تعيش على هامش حياة كنت أظن أنها يجب أن تكون أكثر امتلاءً.

وكان أبي، كلما نظر إليّ، يحمل في عينيه شيئًا لا يقوله.

ربما كان حزنًا.

وربما كان خوفًا.

وربما كان السؤال نفسه الذي كنت أخشاه:

لماذا لم تتزوج هديل حتى الآن؟

لم يكن السؤال يؤذيني حين يأتي من الغرباء.

الغريب يسأل ثم يمضي.

لكن حين يأتي السؤال من الأب، يصبح له وزن آخر.

كنت أراه أحيانًا يريد أن يسألني، ثم يتراجع.

وأنا كنت أعرف.

كان يعرف أنني أعرف.

وكان الصمت بيننا أكثر بلاغةً من الكلام.

مرّ في حياتي رجال.

هذه حقيقة لا يعرفها كثيرون.

لم أكن امرأةً لم يطرق بابها أحد.

كانت هناك وجوه جاءت، وأخرى ذهبت.

وكان هناك من اقترب ثم ابتعد، ومن أبدى إعجابه ثم تغيّر، ومن تحدث عن الزواج، ثم انقطع خبره كأن شيئًا لم يكن.

وفي كل مرة كان يحدث الأمر نفسه:

في البداية: أمل.

ثم انتظار.

ثم صمت.

ثم تفسير.

كان لكل حادثة تفسير جاهز.

وفي البداية، لم أكن أبحث عن تفسير.

كنت فقط أتألم.

لكن الإنسان، حين يتكرر عليه الألم، يبدأ في البحث عن سبب يضعه أمامه؛ لأن الجهل بسبب الألم قد يكون أشد قسوةً من الألم نفسه.

وفي بيتنا، بدأ بعض المقرّبين يربطون ما يحدث لي بأمور غيبية.

قالوا إن هناك من أصابني بالعين.

وقال آخرون إن الأمر قد يكون سحرًا.

ومع مرور الوقت، وصل الكلام إلى ما يسمونه «عملًا لوقف الحال».

لم أكن أعرف كيف أتعامل مع هذه الكلمات.

كنت أسمعها، ثم أصمت.

في البداية كنت أرفضها.

ثم صرت أتساءل.

ثم صار السؤال خوفًا.

ثم تحوّل الخوف، ببطء، إلى اعتقاد.

وهذه هي المشكلة التي لم أفهمها إلا بعد سنوات:

بعض الأفكار لا تدخل حياتنا دفعةً واحدة؛ إنها تأتي كقطرة، ثم قطرة، حتى تكتشف ذات يوم أنك تعيش داخل بحرها.

لم يكن أحد يستطيع أن يثبت لي شيئًا.

لكن أحدًا لم يكن يستطيع أيضًا أن يطمئنني تمامًا.

وهكذا وجدت نفسي عالقةً بين احتمالين:

أن يكون ما يحدث مجرد تعثّر في الحياة…

أو أن يكون وراءه شيء لا أفهمه.

وكنت، في كل مرة يفشل فيها أمر من أمور الزواج، أعود إلى الاحتمال الثاني.

كان أسهل.

نعم، أقولها الآن بصراحة:

كان أسهل.

فإذا قلت إن هناك من فعل بي شيئًا، أصبحتُ ضحية.

والضحية لا تحتاج إلى أن تسأل نفسها كثيرًا.

لا تحتاج إلى أن تراجع اختياراتها.

ولا تحتاج إلى أن تقف أمام المرآة وتسأل:

هل أخطأت؟

هل خفت؟

هل بالغت في الانتظار؟

هل كنت أرفض من لا يطابق الصورة التي رسمتها في خيالي؟

هل كنت أبحث عن الرجل الذي أريده، أم عن الرجل الذي سيُثبت لي أنني ما زلت مرغوبة؟

لم أكن أجرؤ على هذه الأسئلة.

كنت أهرب منها إلى سؤال أسهل:

من فعل بي هذا؟

كبرتُ وأنا أرى أخواتي يتغيرن.

تزوجت بعضهن.

ثم جاءت بيوت جديدة، وأطفال، ومناسبات، وأحاديث مختلفة.

وصرتُ أنا المرأة التي يُسأل عنها حين لا تكون موجودة.

«هديل، كيف حالها؟»

«هديل، ما جاءها أحد؟»

«هديل، إلى الآن؟»

كنت أبتسم حين أسمع هذه الأسئلة.

لكنني كنت، في داخلي، أتعلم كيف أخفي انكساري.

لم يكن أكثر ما يؤلمني أنني لم أتزوج.

كان يؤلمني أن الناس بدأوا يختصرونني في هذه الجملة:

هديل التي لم تتزوج.

كأن السنوات الثماني والثلاثين كلها لم تكن سوى سطر واحد.

كأنني لم أكن ابنةً لأب وأم، ولا أختًا لثمانية، ولا امرأةً لها أحلام وذكريات وخوف وأمل.

كأن كل ما فيّ يمكن اختصاره في كلمة واحدة:

عزباء.

كنت أحيانًا أقف أمام المرآة طويلًا.

أنظر إلى وجهي، إلى ملامحي، إلى الأشياء التي تغيّرت فيه بهدوء.

وأقول:

«أين ذهبت السنوات؟»

لم تكن المرآة تجيب.

كانت تفعل ما تفعله المرايا دائمًا:

تعيد إليّ وجهي فقط.

أما الأسئلة، فكانت تبقى لي.

كنت أبحث في ملامحي عن تفسير.

هل تغيّرت؟

هل كبرت؟

هل فاتني شيء؟

هل كان فيّ عيب لم أره؟

ثم كنت أعود إلى الكلام الذي سمعته من أهلي:

«أنتِ جميلة.»

وأتساءل:

إذا كنت جميلة كما يقولون، فلماذا لم يحدث شيء؟

وكنت أجهل يومها أن السؤال نفسه كان يحمل في داخله افتراضًا خطيرًا:

أن الجمال ضمان للسعادة.

وأن الزواج شهادة على قيمة المرأة.

وأن تأخر الزواج دليل على وجود خلل.

لم أكن أعرف أن الحياة أكثر تعقيدًا من ذلك.

في بعض الليالي، كان أبي يضع مبلغ الشهر في يدي.

ألفان وخمسمائة ريال.

أشكره.

ثم يخرج.

وأبقى وحدي.

كنت أنظر إلى المال أحيانًا، ولا أفكر في قيمته.

كنت أفكر في شيء آخر:

إلى متى؟

إلى متى سأعيش بهذه الطريقة؟

إلى متى سأنتظر رجلًا لا أعرفه؟

إلى متى سأفسّر كل باب أُغلق بأنه مؤامرة؟

وإلى متى سأصدق أن حياتي توقفت لأن أحدًا ما أراد لها أن تتوقف؟

لكنني، في تلك الأيام، لم أكن أملك الشجاعة الكافية لأكمل السؤال.

كنت أخاف من الإجابة.

في إحدى الليالي، جلست أمام نافذة غرفتي.

كانت جدة في الخارج تمضي كعادتها.

سيارات.

أضواء.

أصوات بعيدة.

وحياة لا تنتظر أحدًا.

وضعت دفتري أمامي.

وكتبت:

«أنا هديل.

ثمانية وثلاثون عامًا.

لم أتزوج.

يقولون إن هناك من فعل بي شيئًا.

وأنا لا أعرف إن كان ما يقولونه صحيحًا.

لكنني أعرف شيئًا واحدًا:

لقد صدّقتُ هذا الكلام حتى أصبح جزءًا من قصتي.»

توقفت قليلًا.

ثم كتبت:

«لكن ماذا لو كنت مخطئة؟»

كانت تلك أول مرة أكتب فيها هذه الجملة.

ولأول مرة شعرت أنني لا أكتب عن السحر.

ولا عن الزواج.

ولا عن الرجال الذين ذهبوا.

كنت أكتب عن نفسي.

عن المرأة التي انتظرت طويلًا، حتى نسيت ماذا كانت تريد قبل أن تبدأ الانتظار.

أغلقت الدفتر.

لكن السؤال بقي مفتوحًا.

ولم أكن أعرف يومها أن هذا السؤال الصغير سيقودني، بعد سنوات، إلى أسئلة أكبر بكثير:

متى تحوّل احتمال سمعته من الآخرين إلى حقيقة بنيتُ عليها حياتي كلها؟

كنت أظن أنني أبحث عن إجابة.

ولم أكن أعرف أنني، للمرة الأولى، كنت أقترب من السؤال الحقيقي.

ملاحظة :
هذه اليومية إحدى شذرات كتاب «يوميات خارج المألوف»، وهو عمل قيد الإصدار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top