الفرج لا يستأذن..!!

راضي غربي العنزي – كاتب رأي سعودي

حين تنطفئ في عينيك الجهات، لا يعني ذلك أن رحمة الله انطفأت؛ فقد يحفظك الله في تأخيرٍ لا تفهمه، ويفتح لك من رحمته بابًا لم يخطر لك أن تبحث عنه.

ثمة لحظة يبلغ فيها الإنسان آخر الطريق، لا لأن الطريق انتهى، بل لأن الله يريد لقلبه أن يتوقف عن الركض خلف الأبواب، وأن يلتفت إليه وحده. لحظة تتساقط فيها الحيل واحدةً تلو الأخرى، ويصبح ما كان بالأمس سندًا عاجزًا، وما كان بالأمس وعدًا مجرد صدى، وما كان الإنسان يظنه قوةً لا يُغلب فإذا به يكتشف أنه كان يستعير قوته من وهمٍ صغير. هناك، عند الحافة التي يظنها اليائس نهاية الحكاية، يبدأ المعنى الحقيقي للفرج.

فالإنسان بارع في صناعة المواعيد؛ يضع للنجاة تاريخًا، وللراحة ساعة، وللأمنية طريقًا، ثم يغضب لأن الحياة لم تلتزم بجدوله! يريد أن يعرف متى يجيء الفرج، ومن أي باب، وعلى يد من، وبأي صورة؛ وكأن رحمة الله تحتاج إلى مخطط هندسي وموافقة عاجلة من البشر. لكنه حين تنقطع كل حساباته، يعرف الحقيقة التي كان ينبغي أن يعرفها منذ البداية: أن الله وحده يفتح، والله وحده يمنح، والله وحده يمنع، والله وحده يعلم أين يكون الخير.

قال الله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.

آية لا تحتاج إلى كثير شرح؛ لأنها تقف في وجه خوف الإنسان كله وتقول له بوضوح: ما فتحه الله لا تستطيع يدٌ أن تغلقه، وما أمسكه الله لا تستطيع قوةٌ أن تنتزعه. وهنا يستقيم القلب؛ فلا يتعلّق بالبشر تعلقًا يذله، ولا بالأسباب تعلقًا يستعبده، بل يأخذ بالأسباب وقلبه مع مسبب الأسباب، ويسعى في الأرض وهو يعلم أن الأمر كله لله.

وفي الحديث الشريف: «واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا».

ولعل من أبلغ القصص التي تكشف هذه الحقيقة قصة عروة بن الزبير رحمه الله، حين نزل به البلاء في جسده، فاستقبل المحنة بصبرٍ عظيم، ولم يسمح للألم أن ينتزع من قلبه يقينه بالله. لم يكن الصبر عنده إنكارًا للوجع، بل معرفةً بأن الله أكبر من الوجع، وأرحم من الخوف، وأحكم من استعجال الإنسان.

وهذه هي المسافة الفاصلة بين المؤمن والإنسان الذي أنهكه القلق: كلاهما يتألم، لكن أحدهما يرى الألم جدارًا، والآخر يراه محطةً في طريق لا يزال الله يفتح له فيه من أبواب الخير ما لا يراه.

وقد قال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «دواؤك فيك وما تشعر، وداؤك منك وما تبصر». وفي هذه الحكمة ما يوقظ الإنسان من ضجيج الخارج؛ فكم من معركةٍ أنهكتنا لأننا بحثنا عن خلاصنا في أيدي الناس، وكم من بابٍ استنزف أعصابنا لأننا نسينا أن الفتح بيد الله.

أما شوبنهاور، صاحب النظرة القاتمة للحياة، فقد جعل الإرادة الإنسانية أحد منابع المعاناة؛ لأن الإنسان يريد الأشياء كما يشتهيها، فإذا خالفته الحياة عذبته رغبته. أما المؤمن فيتجاوز هذه الدائرة حين يعلم أن فوق إرادته إرادة الله، وأن الله سبحانه لا يفعل شيئًا عبثًا، ولا يقدّر لعبده شيئًا إلا بعلم وحكمة.

وليس معنى ذلك أن نجلس وننتظر الفرج كمن ينتظر طردًا بريديًا تأخر في الطريق! الإيمان لا يعفي الإنسان من السعي، والتوكل ليس اسمًا آخر للكسل. اعمل، وابحث، وحاول، واطرق الأبواب، لكن لا تجعل قلبك معلقًا بالباب. قد يُغلق الباب الذي طرقته ألف مرة، لأن الله يريد لك بابًا آخر لم تعرف حتى الآن أنه موجود.

وكم في حياتنا من أبواب أُغلقت ثم شكرنا الله بعد سنوات أنها أُغلقت! وكم من خسارةٍ بكيناها يومًا، ثم اكتشفنا أن الله حفظنا بها من خسارة أكبر! وكم من تأخيرٍ ظنناه قسوة، ثم جاءنا العطاء بعده أكثر نضجًا واتساعًا، فعرفنا أن الله كان أرحم بنا من استعجالنا.

المشكلة أن الإنسان يريد أن يرى الحكمة قبل أن يطمئن، بينما الإيمان الحقيقي أن يطمئن إلى الله حتى قبل أن يرى الحكمة.

الله سبحانه وتعالى رحيم بعباده، لطيف بهم، حكيم في أمرهم، غني عن خلقه، لا شريك له في ملكه، ولا ند له في سلطانه. لا يملك أحد أن يمنحك شيئًا فتحه الله لك، ولا أن يمنع عنك رحمة أرادها الله بك.

ولذلك لا تجعل كربتك أكبر من ربك، ولا تجعل تأخر الفرج دليلًا على غيابه، ولا تجعل عجزك عن رؤية الطريق دليلًا على أن الله لم يفتح لك طريقًا.

فربما كان الله يهيئ لك من رحمته ما لا تراه، ويحفظك من شيء لا تعرفه، ويصرف عنك ما تظنه خيرًا، ويدخر لك من فضله ما لو عرفته الآن لبكيت امتنانًا بدل أن تبكي اعتراضًا.

وحين يبلغ بك التعب مبلغه، لا تقل: «انتهى كل شيء».

قل: «الله موجود».

فبين الجملتين مسافةٌ هائلة؛ الأولى تغلق العالم كله، والثانية تفتح القلب على رب العالمين.

والفرج حين يأتي لا يعتذر عن تأخره؛ يأتي كاملًا، حاسمًا، كأنه كان يعرف الطريق إليك منذ اللحظة الأولى. عندها فقط ستفهم أن الله لم يتركك في عتمة الطريق، بل كان يحفظك حين ظننت أنك ضائع، ويمنع عنك حين ظننت أنه حرمك، ويؤخر عنك حين ظننت أنه نسيك. وستلتفت إلى أيامك القديمة بدهشةٍ موجعة، وتكتشف أن أكثر لحظاتك انكسارًا كانت أقربها إلى رحمة الله، وأن اليد التي ظننتها خالية لم تكن خالية قط؛ كان فيها الدعاء، وكان فيها الأمل، وكان فيها ربٌّ رحيم لا يعجزه كرب، ولا تغلق رحمته الأبواب.

فإذا اشتد عليك الأمر، فلا تنظر إلى ضيقك وحده؛ انظر إلى الله.

وإذا انقطعت الأسباب، فلا ينقطع رجاؤك.

وإذا طال الانتظار، فلا تظن أن الرحمة تأخرت؛ فلعل الله يؤخر شيئًا ليمنحك ما هو أعظم، ويحفظك من شيء لا تراه، ويقودك إلى خيرٍ لم تكن تعرف أنك تحتاجه.

وحين يفتح الله لك باب الفرج، ستعرف أن الذي أنقذك لم يكن كثرة الأبواب، بل عظمة رب الأبواب؛ وأن الذي حفظك في أشد لحظاتك لم يكن حولك من قوة، وإنما لطف الله الذي لا يُرى، ورحمته التي لا تُحاصر، وحكمته التي لا تخطئ. عندها ستبتسم لكل خوفٍ قديم، وتقول بقلبٍ مطمئن: الحمد لله الذي أخر الفرج حتى جاء أجمل مما تمنيت.

“bismallah34@gmail.com”

الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top