*الأستاذة/ ليلى عباس طاهري*
*مديره مدارس قوز الجعافرة *الابتدائية والمتوسطة والثانوية*
هناك أناس يمرّون في المكان…
وهناك أناس يصنعون للمكان تاريخاً وللأيام ذاكرة وللقلوب أثرًا لا يمحوه الرحيل ومن أولئك القلائل كانت الأستاذة ليلى عباس طاهري
خمسة عشر عامًا قضتها بين أروقة التعليم منذ قدومها إلى قوز الجعافره فكان العطاء والتميز
ست سنوات معلمة
وثلاث سنوات وكيلة
وما بقي مديرة لهذا الصرح…
خمسة عشر عامًا لم تكن مجرد أعوام في سجل الخدمة بل كانت خمسة عشر عامًا من البذل والوفاء والعطاء والانتماء والإنجاز والإحسان
بدأت معلمةً ..
فكانت للطالبات أمًّا ومربية
ثم وكيلةً..
فكانت سنداً وعونًا
ثم مديرةً ..
فكانت قائده بحزمها راقية بتعاملها قريبةً بقلبها عظيمةً بأثرها ولم تكن ليلى أسيرة مكتب أو مسمى وظيفي بل عاشت الميدان بكل تفاصيله
رائدة فصل ورائدة نشاط
ومنسقة موهوبات
ومرشدة طلابية
ومعلمة
ووكيلة
ثم مديرة
ولعل أجمل ما في هذه الرحلة أنها جعلتها تعرف الطالبات لا بأسمائهن فحسب بل بظروفهن واحتياجاتهن وأحلامهن وآلامهن
كانت إذا رأت طالبة متعثرة لم تكتفِ بالسؤال: لماذا تأخرتِ؟
بل كانت تسأل: ماذا يؤلمكِ؟ وكيف أساعدكِ؟
وإذا عرفت محتاجةً كانت لها سندًا
وإذا وجدت متفوقة كانت لها حافزًا
وإذا مرت طالبةٌ بظرف كانت لها عونا حتى أصبحت الطالبات في نظرها بنات لا أرقاما وقلوبًا لا ملفات وأمانة لا مسؤوليةً عابرة
وكم من متفوقة احتضنتها وكم من موهوبة شجعتها وكم من طالبة حملتها في سيارتها الخاصة إيمانًا منها بأن التفوق يستحق أن يُحتفى به وأن من زرع الاجتهاد يستحق أن يجد من يفتح له الطريق
وفي سلامة الطالبات قصة أخرى من قصص الوفاء
فلم تكن رحلة الطالبة من المنزل إلى المدرسة أمرًا عابرًا في قاموسها بل كانت أمانةً تبدأ من الباب وتنتهي عند الباب
تابعت سائقي الحافلات وحرصت أن تكون كل طالبة في يد أمينة وفي طريق آمن وفي عودة مطمئنة
وكأنها كانت تقول دون أن تقول:
بناتكم أمانة عندنا… وسلامتهن عهد علينا
أما مجلس الأمهات فقد جعلته أكثر من اجتماع
جعله جسرًا بين البيت والمدرسة ومنبرًا للحوار وميدانًا للشراكة ومنارةً للتواصل
وأما المجتمع فلم يكن بالنسبة لها خارج أسوار المدرسة
فمدّت جسور الشراكة مع القطاعات والإدارات وفتحت أبواب التعاون وجعلت المدرسة قلبًا نابضًا في مجتمعها لا مبنى مغلقا خلف الأسوار
ولأهالي القوز والقرى المجاورة معها حكايات ومواقف مواقف لا تحتاج إلى شهادة رسمه ولا إلى ختم إداري لأنها مختومة في ذاكرة الناس وقلوبهم ومحفوره في ذاكرتهم وهنا نقولها بكل فخر:
لم تكن ليلى مديرة مدرسة فحسب…
كانت روح المدرسة.
ولم تكن قائدةً خلف مكتب…
بل قائدةً في الميدان بين الطالبات مع المعلمات إلى جوار الأمهات قريبةً من المجتمع حاضرةً عند الحاجة سبّاقةً إلى المبادرة
كانت إذا حضر النجاح قالت
هذا نجاحكم
وإذا حضر التقصير قالت
هذه مسؤوليتي
وإذا احتاجت طالبة شيئًا قالت: أبشري
وهكذا تكون القيادة حين تتحول من منصب إلى رسالة ومن صلاحية إلى أمانة ومن ادارة إلى إنسانية
واليوم… جاء الرحيل!
صدر قرار نقلها إلى المتوسطة الثالثة بصبيا…
فماذا نقول للقوز؟
هل نقول إن مديرةً انتقلت؟
لا…
لقد انتقلت ليلى من مبنى إلى مبنى لكن أثرها لن ينتقل لأنه استقر في القلوب اليوم قد تغلق خلفها أبواب المدرسة لكنها تركت خلفها أبوابا من الدعاء مفتوحة
قد تخلو الإدارة من مكتبها
لكنها لن تخلو من ذكراها
قد يتغير الاسم على باب المدرسة
لكن اسم ليلى طاهري سيظل مكتوبا في ذاكرة المكان بأحرف من وفاء
ولذلك…
يا أهالي صبيا هنيئًا لكم!
هنيئًا لكم
بهذه الإنسانة قبل القائدة
هنيئًا لكم
بهذه المربية قبل المديرة
هنيئًا لكم
بمن جعلت التعليم رسالة لا وظيفة والقيادة خدمة لا وجاهة والطالبة إنسانةً لا رقمًا ستصل إليكم ليلى الطاهري ولن تصل وحدها…
ستصل معها خمسة عشر عامًا من الخبرة وسنواتٌ من الميدان وتجارب من التربية ومواقف من الوفاء وقلب يعرف كيف يقود دون أن يجرح وكيف يحزم دون أن يقسو وكيف يعطي دون أن ينتظر المقابل
أما القوز… فستبكيكِ بطريقتها
ستبكيكِ الممرات التي شهدت خطواتكِ
والفصول التي شهدت عطاءك
والطالبات اللاتي وجدن فيكِ أمًّا قبل أن يجدن مديرة
والمعلمات اللاتي عرفن فيك القيادة والإنصاف
والأمهات اللاتي وجدن فيكِ صدرًا رحبًا والأهالي الذين عرفوا منكِ الموقف حين يكون الموقف موقفًا
لكن عزاءنا…
أن الرحيل لا يهزم من ترك أثرًا
فبعض الناس يغادرون المكان
وبعضهم يغادرون إليه بعد رحيلهم كلما ذُكر الإنجاز ذكروا، وكلما ذُكرت المواقف حضروا وكلما تحدث الناس عن الوفاء كانت أسماؤهم في مقدمة الصفوف
وليلى طاهري من هؤلاء.
سترحلين من القوز جسدًا ومسمى
لكن سيرتك ستبقى فيها روحًا وذكرى
شكرًا لكِ يا ليلى…
شكرًا لأنكِ كنتِ قائدة حين احتاج الميدان إلى قائد
وشكرًا لأنكِ كنتِ مربية حين احتاجت الطالبات إلى مربية
وشكرًا لأنكِ كنتِ أمًّا حين احتاجت بعض القلوب إلى أم
وشكرًا لأنكِ كنتِ إنسانة حين احتاجت الإنسانية إلى موقف
شكرًا باسم أهالي القوز
شكرًا باسم طالباتكِ
شكرًا باسم أمهاتهن
شكرًا باسم زميلاتكِ وزملائكِ
شكرًا باسم كل قلبٍ عرفك وكل بيت وصل إليه عطاؤكِ
وإن كان لنا أن نختصر خمسة عشر عامًا في جملةفسنقول:
لم تكوني مديرةً مرّت على مدرسة…
بل كنتِ قائدةً مرّت على قلوب فتركت فيها من الأثر ما لا يمرّ ولا يُنسى
فامضي يا استاذه ليلى طاهري إلى محطتك الجديدة مرفوعة الرأس…
فخلفكِ مدرسة تشهد وطالباتٌ يشهدن وأمهات يشهدن وأهالٍ يشهدون، وأثر لا يحتاج إلى شاهد
هنيئًا للمتوسطة الثالثة بصبيا بكِ…
وهنيئا لصبيا بقائدة تعرف أن أعظم إنجاز للمدير ليس ما ينجزه في المبنى بل ما يزرعه في الإنسان
أما القوز…
فستبقى أبوابها مفتوحة لذكراكِ وقلوب أهلها مفتوحة لكِ ودعوات محبيكِ تسبقكِ حيثما حللت
وسيظل اسمكِ في سجل القوز
ليلى عباس طاهري…
قائدةٌ رحلت ولكنها لم تغب
مديرة إنتقلت ولكنها لم تنس
مربية غادرت المكان ولكنها تركت المكان أجمل مما وجدته
رحم الله أثرًا لا يموت وبارك في خطى قائدة جعلت من التعليم رسالة ومن القيادة أمانة ومن الإنسان غاية
لكِ منا الوفاء ما بقي الوفاء
ولك من الدعاء ما بقي الدعاء
ولكِ في قلوب أهالي القوز مقام لا يبلغه الرحيل ولا تطويه السنين ولا تمحوه الأيام
وداعًا يا أستاذه ليلى…
وليس كل وداع نهاية
فبعض الوداع بداية أثرٍ جديد…
وبعض الرحيل ولادة حكاية أجمل
دمت قائدة ومربية ومعلمة وانسانة…ودام أثرك شاهدا عليكِ
*كتبه ولي أمر بمدرسه القوز :*
*د. عبده بن حسن جعفري*
*الثلاثاء 8/ 9/ 2026م*



