*د.منى بنت علي الحمود*
لم تكن نقطة التميز ولا العلامة الفارقة التي تركها
مؤتمر “حوار الأمن والتاريخ” في الفضاء المحلي والعالمي لتأتي من فراغ؛ إنه هاجس التفرد وأصالة الفكرة.
ولعل من أكثر الأفكار عمقًا في هذا المؤتمر أنه لم يجعل التاريخ خلفية صامته حول أحداث عظيمة شهدها وطني الحبيب على مدار عقود طويلة من الزمن بل كانت فكرة هذا المؤتمر تكشف عن عبقريتها في جمعها بين ثلاثة مفترقات رئيسة لكل مجتمع هي الثقافة والأمن وطوقها بسياج ابداعي من التاريخ.
كان لسان حال هذا المؤتمر يعبر عن وحدة الفكرة والهدف واتساع دوائر الالتقاء والتقاطعات في مساحات قلما نتنبه لاتساقها بالضرورة، ليترك بصمته الواضحة في أن المجتمعات لا يُحمى بالقوة وحدها،ولا تُبنى بالثقافة وحدها أيضا، ولا تدرك نفسها من دون ذاكرتها الجمعية.
عبر هذا المؤتمر عن نسخة مميزة على مستوى الفكرة والإعداد والتخطيط والتنظيم والتنفيذ كذلك، وأيضا ترك الأثر وهو الأهم. في هذا المؤتمر حملت معي كثيرا من الذكريات والتأملات التي كنت اسرح فيها من خلال النقوش والجماليات التي ترصعت بها البندقيات المعروضة، وأقرأ في صحيفة “أم القرى” عبر منصتها، التي سيتم تدشينها قريبا، عن خبر منشور قديما عن امرأة فقدت كيس به “مقضاة” ومقتنيات أخرى لها، ليعمم هذا الخبر عبر هذه الصحيفة العريقة ليعيد هذا الكيس من يجده لأقرب مركز أمني، وقد تحولت اليوم هذه الصحيفة إلى أكبر منصة إعلامية وطنية ” وكالة الأنباء السعودية-واس”. وقفت مليا في تأمل محطات وزارة الدفاع والطيران، تسردها شابة سعودية على مسمعي، أخذتني معها لتفاصيل قد تكون بسيطة ولكنها أيقضت مساحات أكثر عمقا بداخلي. رأيتني أقف بجرأة غير معهودة مني أمام أجهزة للشفرات الأمنية، وايقضت مسمعي عبارة المسؤول عن الجناح:”هذه أجهزة الطيبين ولايمكن تهكيرها”.
كل ما في ذلك المكان كان يجذبني شيء ما فيه للبقاء أكثر ولسماع المزيد، لا أعلم تحديدا ماذا كان خلف شعوري هذا هل هو جهلي وفضولي؟ أم محبة لم أكد أجد لها المساحة للتعبير عنها من قرب لوطني ولأمنه إلا مساحات ذلك المؤتمر العبقري. رغم أني بلاشك لا أجهل الزي العسكري والنجمات والرتب … ولكني كنت أراها بعين مختلفة.
حضرت جلسات متنوعة أعادة تشكيل نظرتي للأمن كمفهوم ولرجاله كحراس، كانت باختصار أحاديثهم من القلب. جلسة عن دور المرأة في الأمن، ملفت هذا العنوان ولكن الأكثر دهشة أن تحملنا متحدثات من الأديبات والمهتمات بدراسات المرأة إلى طروحات حقيقية، حتى يكاد حديثهن يناسب إلى الروح قبل العقل، يجردن الواقع بكل مصداقية، يحولن الأفكار إلى استراتيجيات وسبل عملية، حديث واعي يريد أن يجد مكانه للتطبيق وليس التنظير.
حضر الفن في كل تمظهراته في المؤتمر من لوحات ومعزوفات وشعراء وأدباء ومفكرين تزينت بهم المقاعد والردهات.
كل هذا حضر ليجسد حقيقة عميقة أرادها هذا المؤتمر بصدق، أن الأمن بمعناه الحقيقي هو طمأنينة الإنسان إلى مكانه، وإلى هويته، وإلى ذاكرته، وإلى استمرارية مجتمعه، هنا لايعود السؤال الذي يشغلنا كيف نحمي الوطن، بل ما الذي نحميه حتى نحمي الوطن؟
إن ما علينا هو أن نحمي ثقافة المجتمع وإرثه المادي وغير المادي، أن نحفظ الهوية والماهية المحلية والعالمبة، أن نقدم ما يرسم الصورة الذهنية الحقيقية لمجتمعاتنا؛ فالثقافة تصنع جانبا كبيرا من شروط الاستقرار. والإنسان الذي يعرف تاريخ مجتمعه ويفهم تنوعه ويدرك قيمة الاختلاف داخله، أكثر قدرة على الانتماء إليه والمحافظة عليه. هنا تتحول الثقافة من نشاط اجتماعي معرفي إلى القوة الناعمة التي تبني مناعة المجتمعات الداخلية.
استخدم هذا المؤتمر في عنوانه كلمة “الحوار” كمفردة معنية ومقصودة لم تأتي بمحظ من الصدفة، أو التنظيم اللغوي فحسب، بل جاءت معبرة عن جوهر الفكرة لهذا المؤتمر،مؤكدة على حوار الثقافات وحوار الأديان وحوار الحضارات على المستوى المحلي والعالمي، وهنا يتجلى الحوار بمعناه الحقيقي وهو الانصات الواعي للاخرية والاختلاف،وأن الأمن لا يُفهم من زاوية واحدة، ولا التاريخ أن يبقى مختزلا كمادة للقراءة المنفصلة عن اشكاليات وقضايا وتساؤلات الحاضر، وأن الثقافة ليست غلافا خارجيا بل شريكا في تشكيل الوعي الاجتماعي الذي يحقق الأمن.
وتشير كلمة “الحوار” أيضا إلى العمليات الاستباقية لوقوع الخطر من الوعي والتربية وبناء للثقة ومعرفة للذات وشعور بالانتماء والولاء وهذه كلها قضايا لايمكن أن تتحقق بدون حوار، فالأمن بمفهومه الأوسع لايبدأ عند وقوع الخطر بل يستبقه بمراحل يكون الحوار وفهم الاحتياجات والاتجاهات سابقا عليها. أما التاريخ، فقد جاء في هذا الحوار وكأنه حلقة الوصل التي تمنح طرفي العنوان عمقهما الزمني، ما بين استحضار للماضي واستسراف للمستقبل وكأنما تزيل كلمة “حوار” مسافة الزمن بشكل رمزي في الزمن الأمني.
ولعل أجمل ما في فكرة “حوار الأمن والتاريخ” أنه
حين يجلس رجل الأمن إلى جوار المؤرخ والمفكر والمثقف، يصبح الجميع أمام مسؤولية واحدة وسؤال مشترك: كيف نصنع مجتمعا يعرف نفسه، ليعرف كيف يحميها؟
وبهذا المعنى، يكون أعلى أشكال الأمن هو ذلك الذي نشعر بوجوده ولا نلمسه كسلطة خارجية بل يظهر على شكل ممارسات وثقافة حياتية للمجتمعات.
باختصار، المجتمع الذي يعرف كيف ولماذا تستحق ذاته ومكتسباته قيمتها وحمايتها يختلف عن مجتمع لا يعرف فقط إلا أن عليه الالتزام بالقوانين، فالأول يعيش ضمن نموذج مختلفا لفهم قيمة الأمن ذاتها. ولعل هذه هي العبقرية الأعمق في فكرة مؤتمر “حوار الأمن والتاريخ”.
——————–
د.منى الحمود



