المجامله شرعيتها وحدودها واثرها الاجتماعي والديني

*عبدالله بن تركي الجعفري العنزي*

يسوق الشاعر الحكيم زهير بن أبي سلمى معنى عميقًا في قوله:
ومن لم يُصانِعْ في أمورٍ كثيرةٍ
يُضرَّسْ بأنيابٍ ويُوطأْ بمنسمِ
فهو لا يدعو إلى التملق أو التنازل عن المبادئ، وإنما يقرر حقيقة من حقائق الحياة؛ وهي أن الإنسان الذي يواجه الناس جميعًا بحدّة، ولا يعرف اللين والحكمة، سيجد نفسه عرضةً للأذى والخصومات، حتى يصبح كمن تنهشه الأنياب وتطؤه أخفاف الإبل.
فالمصانعة التي يقصدها الشاعر هي حسن التعامل، ولين الجانب، واختيار الأسلوب المناسب مع الناس، لا بيع المبادئ ولا السكوت عن الباطل.
لكن يبقى السؤال الأهم:
متى ينبغي أن نتوقف عن المجاملة؟
تتوقف المجاملة عندما تتحول من خلقٍ حسن إلى وسيلةٍ لتضييع الحقوق أو إقرار الخطأ، ومن أبرز المواضع التي يجب الوقوف فيها:
*إذا مست دين الإنسان أو عقيدته أو ثوابته.
*إذا أصبحت سببًا في ظلم الآخرين أو أكل حقوقهم.
*إذا اقتضت تزكية غير المستحق أو تلميع الفاسد.
*إذا كانت على حساب الكرامة والعزة والاحترام.
*إذا أدت إلى كتمان الحق أو الشهادة بغير الحقيقة.
*إذا شجعت المخطئ على الاستمرار في خطئه بدلاً من نصحه.
*إذا تحولت إلى نفاقٍ أو تملقٍ طلبًا لمصلحة شخصية.
أما في شؤون الحياة اليومية، فإن المجاملة المحمودة تبقى من مكارم الأخلاق؛ فهي تُصلح ذات البين، وتؤلف القلوب، وتدفع كثيرًا من الخصومات، ولذلك قيل: ليس كل حقٍ يُقال، ولا كل ما يُقال يُقال في كل وقت.
والخلاصة:
الحكمة ليست في أن تُجامل الجميع، ولا في أن تُصارح الجميع، وإنما في أن تعرف متى تلين، ومتى تقف، ومتى تقول كلمة الحق. فالمجاملة خلقٌ إذا حفظت المبادئ، أما إذا هدمت الحق فهي ليست مجاملة، بل تنازل لا يليق بأهل المروءة.
———————–
عبدالله العنزي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top