*سبتية الذييب..…حين يتحول المجلس إلى مصنع للرجال*

 

*بقلم: د . خالد بن محمد السرحان*

دخلت استراحة رجل الأعمال حمود الذييب (ابو عبدالله) مساء هذا السبت، وأنا أظن أنني ذاهب إلى مجلس اجتماعي كغيره.…لكنني اكتشفت بعد دقائق أنني لم أدخل استراحة…بل دخلت مدرسة لا يوجد لها مبنى، ولا منهج مكتوب، ولا شهادات تخرج، بختصار مدرسة اسمها: المجلس.
ثم أخذت أتأمل المكان؟
مجالس مرتبة، خضرة وماء، طابع نجدي أصيل، ومساحات مهيأة لتجمع الأسرة ورجال الأعمال والأصدقاء، لم يكن المكان مجرد استراحة جميلة……بل بدا وكأنه بيئة صُممت لتجمع الناس وتصنع بينهم الألفة.
لدى ابو عبدالله ثلاث محطات أسبوعية لها فلسفتها الخاصة؛ اثنينية منتصف الأسبوع وهي عبارة عن ملتقى ثقافي واجتماعي، وغداء الجمعة يجمع الأسرة والأصدقاء، ثم تأتي السبتية… حيث تجتمع خلاصة الأسبوع في: فكرة اجتماعية، ورؤية اقتصادية، وتجربة صحية، ولمسة إيمانية، ونقاش يفتح أبواباً جديدة للتفكير، ولكن المفاجأة لم تكن في حديث الرجال……كانت في الأبناء.
ما إن وصلت حتى رأيت أبناء ابو عبدالله يتحركون بثقة؛ هذا يستقبل، وذاك يرحب، وآخر يقود الضيف إلى مكانه.
ثم تبدأ التفاصيل الصغيرة: القهوة، التمر، الشاي، الحلوى والبخور… كلها بأيديهم.…توقفت عند المشهد.
هذا ليس تدريباً على الضيافة… بل تدريب على الحياة.
فالابن الذي يقف اليوم بجوار والده ليستقبل الضيف، يتعلم غداً كيف يتحمل المسؤولية، ويحترم الكبير، ويصنع العلاقات، ويتعامل مع الناس بثقة، والأهم أنه يتعلم ذلك بالممارسة لا بالمواعظ، وهنا جاء السؤال الذي لم أستطع تجاوزه:
ماذا حدث لمجالسنا؟
لماذا نشتكي من ابتعاد الأبناء عن آبائهم، ثم نترك كل واحد منهم أسيراً لشاشته (التيك توك-اليوتيوب-الألعاب-السناب-الانستقرام-الواتساب-قروبات الأصدقاء)

ولماذا نبحث عن دورات لتعليم أبنائنا الثقة والمسؤولية والاتصال، بينما أمامنا مدرسة مجانية اسمها مجلس الأب؟
ربما لا يحتاج الابن دائماً إلى محاضرة…
قد يحتاج فقط أن يجلس بجانب أبيه، ويرى كيف يستقبل ضيفاً، وكيف يستمع لرأي مختلف، وكيف يحترم الكبير، وكيف يكون حاضراً بين الرجال.
هنا تتشكل الشخصية دون أن يشعر صاحبها أنه يتعلم.
خرجت من سبتية الذييب وأنا أفكر في معنى مختلف للاستثمار.…نحن نستثمر في العقار والأسهم والمباني والمشاريع…لكن هناك استثماراً لا يظهر في أي ميزانية: “الإنسان”.
حمود الذييب لا يعلّم أبناءه فن الضيافة فقط، بل يمنحهم فرصة مبكرة ليروا العالم الحقيقي قبل أن يبتلعهم العالم الافتراضي.
وهنا تكمن قيمة السبتية:
أنها لا تجمع الرجال فقط…بل تفتح الطريق أمام جيل جديد ليعرف كيف يكون رجلاً.
فبعض المجالس ليست مكاناً للجلوس…بل مكاناً لصناعة المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top