حين تتقدم سلامة الوطن على مواعيد أحلامه

 

ليست الحكمة أن نمضي في الطريق لمجرد أننا رسمناه، ولا أن نصرّ على موعد الوصول وإن تبدلت أحوال الطريق؛ فالأوطان لا تُقاس حصافتها بجمود خططها، وإنما بقدرتها على الموازنة بين طموحات المستقبل ومقتضيات الحاضر.

وفي زمن تخوض فيه قواتنا حرباً ضد الإرهاب، تتجلى حقيقة قد تغيب في أيام الرخاء: أن الأمن ليس ثمرة التنمية فحسب، بل هو الجذر الذي تستمد منه التنمية معناها . فما قيمة مشروع يكتمل في موعده إذا كانت كلفة التعجيل به تمسّ ما هو أعظم منه: سلامة الإنسان وأمن الوطن ومقدراته؟

إن إعادة ترتيب الأولويات ليست نكوصاً عن الطموح، كما أن تأجيل بعض المشروعات ليس إلغاءً لأحلامها؛ فالحكمة ثباتٌ في الغايات، ومرونةٌ في الوسائل، وبصيرةٌ تميّز بين ما يحتمل الانتظار وما لا يحتمله.

والمشروع الذي يتأخر يمكن استدراك موعده، أما الروح التي تُزهق فلا يعيدها اكتمال ألف مشروع. وليس كل تأجيل خسارة، فقد يكون التأخير اليوم هو الذي يحفظ للوطن قدرته على الإنجاز غداً.

ومن هنا يسمو الوعي الوطني حين يدرك أن للظروف الاستثنائية أحكامها، وأن الموقف المسؤول يجمع بين تفهّم مقتضيات المرحلة، والثقة المبنية على وضوح الرؤية، وحسن إدارة الموارد، دون أن يغيب حق السؤال أو واجب البيان.

إن الأوطان لا تُخلّدها المشروعات التي أنجزتها وحدها، بل كذلك الأرواح التي صانتها، والمقدرات التي حفظتها، والمحن التي عبرتها دون أن تفقد بوصلتها.

فليس أعظم الإنجاز أن نبني للوطن ما نفخر به، بل أن نحفظ للوطن الإنسان الذي يفخر، والأمن الذي يُطمئِن، والمستقبل الذي يستحق أن نبني من أجله.

حفظ الله وطننا، وسدّد قيادته، وأيّد جنوده، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار والتلاحم.

بقلم ــ أبوعبدالرحمن منصور بن صالح العُمري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top